ملف محافظ البنك المركزي- الحقائق مطلوبة... الإخراج السيّئ مرفوض

 

 

بقلم: جنات بن عبد الله

يأتي اعفاء محافظ البنك المركزي الحالي من قبل رئيس الحكومة على خلفية ادراج المفوضية الاوروبية يوم 7 فيفري 2018 تونس ضمن القائمة السوداء للدول عالية المخاطر في مجال غسيل الاموال وتمويل الارهاب. وقد تزامن هذا الاعفاء باعلان رئيس الحكومة عن الاسم البديل المقترح ليسجل الشاهد بذلك سابقة في سرعة تقديم البديل مؤكدا بذلك ما تم تداوله مؤخرا حول احتمال اعفاء المحافظ الحالي.

وفي غياب اتهام صريح من قبل رئيس الحكومة لمحافظ البنك المركزي يتضح ان هذا القرار هو قرار سياسي بامتياز وغير مرتبط بتقصير او إخلال قانوني بل استغل الشاهد هذا التصنيف الاسود ليضمن الـ109 أصوات، والتوافق حول اسم المحافظ البديل في مجلس نواب الشعب وهو ما لم يكن مضمونا قبل تاريخ 7 فيفري 2018.

مرة اخرى يفرط حكام تونس الجدد في لحظة تاريخية جديدة لاعادة النظر في الوضع المالي الخطير الذي تمر به تونس، والوقوف عند الاسباب الحقيقية لذلك والانخراط في اصلاحات حقيقية قادرة على انقاذ تونس من عجزها التجاري الكارثي، وافلاس الخزينة العامة للدولة، وانزلاق الدينار امام الدولار والاورو، لتواصل هذه الحكومة عملها في اطار نفس الخيارات والتوجهات التي التزمت بها تجاه صندوق النقد الدولي، والتي افرزت القانون الاساسي للبنك المركزي عدد 35 لسنة 2016 مؤرخ في 25 أفريل 2016، وتواصل التعاطي مع الازمات بنفس سياسات كبش الفداء وامتصاص الغضب.

ولئن لا يوجد اي اتهام صريح موجه لمحافظ البنك المركزي باستثناء تزامن قرار الاعفاء مع التصنيف الاسود، يبدو ان المحافظ لم يخل بمسؤوليته القانونية بل أخلّ بمسؤوليته الوطنية التي تعتبر أخطر في ظل التدهور المتواصل لجميع المؤشرات المالية.

فبمقتضى النقطة 2 من الفصل 29 من القانون الاساسي للبنك المركزي الذي ينص على: «للبنك المركزي ان يقترح على الحكومة التدابير التي من شأنها ان تؤثر ايجابيا على ميزان المدفوعات ومستوى الاسعار وحركة رؤوس الاموال وعلى وضعية المالية العمومية وبصفة عامة على نمو الاقتصاد الوطني»، وبناء على تاريخ صدور تقرير اللجنة التونسية للتحاليل المالية والذي جاء في أوت 2017، يتضح ان محافظ البنك المركزي قد احترم مسؤوليته القانونية باعتبار المقترحات التي تقدم بها في التقرير بصفته رئيسا للجنة، رغم الانتقادات التي وجهت لهذا التقرير الذي لم يكن شاملا.

ورغم انهيار الدينار وتدهور المؤشرات المالية الداخلية والخارجية، يستمد محافظ البنك المركزي قوته وحصانته من القانون الاساسي للبنك المركزي الذي أمّن له الاستقلالية عن السلطة التنفيذية وحصّنه بالفصل 7 منه الذي سمح له بالتخلي عن حماية الدينار واتباع سياسة صرف مرنة حسب شروط صندوق النقد الدولي التي جسدها القانون الاساسي الجديد، بل ان إقرار قانون اساسي جديد جاء في سياق الاستجابة للاصلاحات المالية التي فرضها على تونس الصندوق ومقابل الحصول على قروض مالية.

كما يستمد قوته من الفصل 25 الذي خول للبنك المركزي عدم منح تسهيلات لفائدة الخزينة العامة للدولة او قروض بما دفع وزارة المالية الى الاقتراض من البنوك الخاصة بنسب فائدة مشطة تحولت الى ضغوط مالية اضافية على ميزانية الدولة في الوقت الذي كان فيه البنك المركزي سندا ماليا لميزانية الدولة من خلال اقتناء البنك المركزي لرقاع الخزينة القابلة للتداول التي تصدرها الدولة وذلك حسب مقتضيات القانون الاساسي السابق.

ان تحميل محافظ البنك المركزي لوحده مسؤولية التصنيف الاسود الذي يعكس في آخر المطاف حالة الفساد المتفشية في البلاد فيه مجانبة للحقيقة وتغطية على فشل بقية الاطراف في تحمل مسؤوليتها وفي مقدمتها السلطة التنفيدية والسلطة التشريعية التي صادقت على مشروع القانون الاساسي للبنك المركزي الذي يقف اليوم وراء تدهور المالية العمومية وانزلاق الدينار.

ان كل محاولة لتغيير محافظ البنك المركزي وايضا نائبه لن تغيّر في الواقع شيئا في ظل الابقاء على القانون الاساسي للبنك المركزي الذي لا يتناغم وخصوصيات الاقتصاد الوطني الذي فقد الكثير من مناعته.

لقد تجنى حكام تونس الجدد على الاقتصاد التونسي بادخاله في دوامة اصلاحات ترمي الى الاسراع في استكمال مقومات نظام اقتصاد السوق وفي تخلي الدولة عن القطاعات ذات البعد الاجتماعي والاستراتيجي كالتعليم والصحة والنقل والكهرباء والغاز والمياه في الوقت الذي دمرت فيه سياسات الانفتاح وتحرير المبادلات التجارية والاستثمار كل مقومات قوته ومناعته ليعمق التوريد المنظم والعشوائي تبعيته ويقضي انزلاق الدينار على ما تبقى في المقدرة الشرائية للمواطن والمقدرة التنافسية للمؤسسة الاقتصادية.

وفي غياب هذا التوجه يبدو ان الاسراع في اعفاء محافظ البنك المركزي يخفي استباقا للنتائج الخطرة المحتملة من خروج تونس على الاسواق المالية العالمية والتي نبه اليها محافظ البنك المركزي عند مناقشة لجنة المالية والتخطيط والتنمية هذا الخيار لتمويل ميزانية الدولة وتوفير احتياطي من العملة لتأمين توريد الحبوب والادوية وايضا لتوريد السيارات والعطور...

كما يبدو انها عملية استباقية للتغطية على شح الخزينة العامة للدولة لصرف جرايات التقاعد واحترام الالتزامات المبرمجة للدولة خلال الفترة المتبقية من السنة والتي تتضمن تسديد جزء من الديون الخارجية.

من هذا المنطلق نعتقد انه من حق الشعب التونسي ان يتابع جلسة الاستماع او المساءلة التي ستخصص لمحافظ البنك المركزي اليوم الاربعاء في مستوى لجنة المالية والتخطيط والتنمية حتى يطّلع على حقيقة الوضع المالي للبلاد ويتسنى له تحديد المسؤوليات باعتبار ان الكشف عن الحقيقة هو الخطوة الاولى نحو الاصلاح الحقيقي والانقاذ الحقيقي للبلاد بعيدا عن الاخراج السيّئ لمسرحية الاعفاء.

تعليقات الفيسبوك