كيف جنت الحروب وصفقات الأسلحة العربية على التنمية ؟

 

عبدالباقي خليفة

 

على الرغم من أن جيوش المنطقة العربية لاتزال تمثل " صناديق سوداء" يصعب إدراك ما يدور داخلها بدقة، خاصة فيما يتصل بإستراتيجياتها العسكرية أو سياساتها التسليحية، إلا أن ثمة فكرة عامة تشكلت مع الوقت، بما يتيح التوصل إلى بعض ملامح القصة، بالنسبة للتسليح على الأقل.

إن الدول العربية إجمالا، ليست من الدول المنتجة للأسلحة، ولاتوجد لديها مشروعات كبيرة لتطوير أنظمة قتال رئيسية محليا، وتعتمد فى الأساس على "الصفقات الخارجية" لتطوير قدرات جيوشها، وبالتالى تكفى نظرة سريعة على التقرير السنوى الذى يصدره المعهد الدولى للدراسات الإستراتيجية بلندن ( IISS) تحت اسم "الميزان العسكرى" لإدراك الوضع التسليحى لها، كميا.

لكن ذلك لايحل المشكلة تماما، فلايوجد الكثير حول دوافع الحصول على الأسلحة، وآليات اتخاذ القرارات وعقد الصفقات فيما يتعلق بتحديد الدول أو المشتريات، وأحيانا حجم نفقات التسليح المعتمدة فعليا لذلك، وبالطبع المناقشات التى تدور حول اتجاهات تسليح الجيوش، فى ظل التهديدات المحيطة بها. بل أن الكثير من الأسلحة التي دفع ثمنها لم تصل ولن تصل لأيدي الجيوش العربية أو بعضها، وإنما كانت صفقات وهمية للتغطية على تكاليف الحماية الأجنبية لتلك الدول، التي لم تكتف بوضع المكفول من طرف القوى الدولية، فعمدت إلى استفزاز بعضها بعضا ودخلت في حروب مدمرة للتنمية في بلدانها وفي البلدان المجاورة وامتداداتها على طول وعرض البلاد العربية وغيرها.

 

صفقات الأسلحة

في 19 فيفري الماضي افتتح معرض الدفاع الدولي { آيدكس 2017 } في أبو ظبي شاركت فيه نحو 1235 شركة من 57 دولة من بينها روسيا وهو أكبر معرض من نوعه في المنطقة لبيع السلاح غير الاستراتيجي والذي لا يؤثر على التفوق العسكري الصهيوني في المنطقة. كما أن الصفقات تعقد في الغالب مع شركاء متفق معهم أصلا على عقود مسبقة إذ تستحوذ الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، على أغلب الصفقات حيث اشترت الإمارات 60 مقاتلة من فرنسا وبريطانيا. واشترت الكويت 28 طائرة من طراز بيونغ إف ايه 18 أي اف سوبر هورنت مع خيار شراء 40 طائرة. أما البحرين فقد أبدت اهتماما بالمقاتلة اف 16 التي تنتجها شركة لوكهيد مارتن . ونجد دولة كالإمارات تنفق 5 مليارات كل عام زيادة عن العام الذي سبقه وقد بلغت في 2017 إلى نحو 16 مليار دولار. بينما تبلغ نفقات السعودية 82 مليار دولار وستصل إلى 87 مليار دولار عام 2020 وفق تقديرات سابقة لكن صفقة ال 100 مليار دولار التي تمت أثناء زيارة دونالد ترامب إلى السعودية جعلت الأرقام شبه فلكية ، حيث سارعت من النسق السابق وبشكل غير مسبوق. فقد أعلن عن وصول صفقات السلاح إلى رقم 350 مليار دولار في السنوات العشر القادمة. وكانت السعودية من بين أكثر 5 دول إنفاقا على التسلح في العالم، والأولى عالميا في عمليات شراء الأسلحة، مع شكوك بأن الأسلحة لا تصل، وإنما هي نوع من الجزية المدفوعة من أجل حماية العروش لا أكثر ولا أقل. وقد كشفت حرب الخليج الثانية كم ومقدار الخداع في هذه القضية حيث عجزت ترسانات الأسلحة البرية والبحرية والجوية  التي سمع عنها الجميع ولم يرها في مواجهة صدام المنهك من حرب الخليج الأولى، ولسبب وحيد هو أنها لم تكن موجودة . أضف إلى  620 مليار دولار كانت خسائر دول الخليج في حرب احتلال الكويت، سنة 1991. وأكثر من ترليون دولار هي خسائر أطول حرب شهدتها المنطقة بين العراق وإيران بين 1980 و1988،علاوة على مقتل أكثر من مليون إنسان يعيشون في المنطقة في تلك الحرب المجنونة، فما هي الخسائر المتوقعة في الأزمة  الخليجية المتواصلة بين دولة قطر والإمارات والمملكة العربية السعودية؟ وما هي الخسائر في العراق وسوريا واليمن؟ تجيب مجلة فورين بوليسي عن هذا السؤال إجابة صادمة ، حيث كلفت الحرب في اليمن فقط المملكة العربية السعودية وحدها 725 مليار دولار. وتجاوزت تكلفة الحرب في سوريا ال 700 مليار وفق العربية نت وذلك قبل عام أي 2016 . أما العراق على العراق فقد كلفت قرابة ترليوني دولار { 1،7 ترليون دولار ونحو 500 مليار مستحقات المحاربين القدامى} وهو ما أشار إليه ترامب في حملته الانتخابية وقال أنه سيجبر دول المنطقة على دفعها.

والأمر لا يتعلق بالخسائر المالية أو المادية ففي تقرير للبنك الدولي أن 87 مليون نسمة تأثروا بهاته الحروب  وهناك أكثر من 21 مليون في اليمن و14 مليون في سوريا و3 ملايين في ليبيا يحتاجون للمساعدات الإنسانية. وملايين المشردين ومئات الآلاف من القتلى والجرحى. وتحتاج هذه الدول والدول المتأثرة بنزعاتها لما يتراوح بين 20 و40 سنة لتتعافى من آثارها.

خسائر التنمية

للمرء أن يسأل ماذا لو أنفق كل هذا لتحرير فلسطين ؟ ماذا لو أنفق في التنمية ؟ إنشاء جامعة يكلف 10 ملايين دولار من أحسن طراز، كم جامعة كان بالإمكان إقامتها بهذه الأموال ؟ حفر بئر عميقة تكلف بين 6 و12 ألف دولار كم بئر عميقة كان بالإمكان حفرها في بلاد المسلمين ؟ تعبيد 100 كيلومتر في تونس تكلف 430 مليون دينار تونس أي نحو 200 مليون دولار أمريكي، ألم يكن بالإمكان شق آلاف إن لم نقل ملايين الكيلومترات بهذه المليارات !

كم مشروع من مشاريع التنمية، وتشغيل العاطلين عن العمل وهم بالملايين في البلاد العربية كان بإمكان هذه المليارات أن تقوم بها وتمولها، كم رسالة دكتوراة وكم بحث علمي ومشاريع تصنيع كبرى وصغرى ومتوسطة كان بالإمكان انجازها بهذه المليارات ؟

يشير تقرير نشر على الجزيرة نت إلى أن الدول العربية مطالبة { بدون الدول الخليجية } في غضون 2030 بتوفير 92 مليون فرصة عمل بتكلفة قدرها 4،4 ترليون دولار أي أنها تحتاج إلى حجم استثماري سنوي يقدر ب نحو 220 مليار دولار. تؤكد تكاليف النزعات والحروب وشراء الأسلحة والاحتماء بالأجنبي أن العرب على الأقل قادرون  على الوفاء بها ، وبذلك ندرك حجم العبث، بل والجريمة التي يرتكبها البعض في حق الأوطان والأجيال وأحلام الشعوب في التنمية والنهوض والحرية والسلام .

 

 

تعليقات الفيسبوك