على خلفية تصريحات وزير المالية بالنيابة : الدولة لا تفلس... لكن الشعب يزداد فقرا

بقلم: جنات بن عبد الله

اثر تصريحات وزير المالية بالنيابة بخصوص عجز الدولة عن صرف اجور الموظفين لشهري اوت وسبتمبر والتسويق للجوء الى الاتحاد الاوروبي للحصول على قرض بقيمة 500 مليون اورو لتمويل ميزانية الدولة، كثر الحديث عن السيناريوهات الممكنة والمتاحة امام الدولة لتوفير الاجور والحد من الاقتراض الخارجي باعتبار تجاوز الدين العمومي حدود ٪70 من الناتج المحلي الاجمالي، ومن بين هذه السيناريوهات التي تمّ الترويج لها اصدار البنك المركزي لأوراق نقدية وتمكين الدولة من تغطية عجزها كما هو معمول به خاصة في الولايات المتحدة الامريكية بعنوان (La planche à Billets).
هذا السيناريو استقطب المواطن التونسي باعتبار رفضه لمزيد اللجوء الى الاقتراض من الخارج سواء من المؤسسات المالية الدولية او الاتحاد الاوروبي ومؤسساته المالية خاصة وان تصريحات وزير المالية بالنيابة لمحت الى عجز الدولة وتنامي التهديد بالإفلاس.
في هذا السياق لابد من رفع الالتباس أو الى لا حول الفرق بين اصدار الدولة لرقاع الخزينة لتمويل الميزانية وهي عملية مقننة ويتم اللجوء اليها حسب معايير متفق عليها، وبين اصدار البنك المركزي لأوراق نقدية لتوفير اعتمادات لتمويل الميزانية وهي عملية مقننة ايضا ومعقدة وصعبة. وهذه الصعوبة لا تكمن في التنفيذ اذ بمجرد موافقة وزير المالية يتولى البنك المركزي اصدار اوراق نقدية، الا ان الخطورة تكمن في تداعيات هذا الخيار الذي يحتكم الى معايير دقيقة لابد من توفرها فضلا عن ان اللجوء اليه يفترض هو ايضا شروطا دقيقة حسب نظرية الاقتصاد النقدي (L’économie monetaire) وخاصة المعادلة الشهيرة للاقتصادي والمختص في الرياضيات الامريكي ارنينغ فيشر (1947-1867) التي توازي بين الكتلة النقدية وسرعة دوران الاوراق النقدية من جهة والاسعار وانتاج السلع والخدمات من جهة اخرى (M*V=P*Q)، فاذا ما تم الترفيع في الكتلة النقدية مع استقرار انتاج السلع والخدمات فان ذلك يؤدي حتما الى ارتفاع الاسعار باعتبار ان اصدار الاوراق النقدية لم ترافقه زيادة في الانتاج، وبالتالي فان اللجوء الى خيار اصدار اوراق نقدية هو خيار ذو ضغوط تضخمية.
وفي اقتصاد من حجم الاقتصاد التونسي فان تداعياته خطيرة عكس الاقتصاد الامريكي الذي يتحمل تداعيات هذا الخيار باعتبار اندماجه في الاقتصاد العالمي بما يساعد على تشتيت تداعيات الضغوط التضخمية في الاسواق الخارجية ويحد منها على الصعيد الداخلي.
من هذا المنطلق فان التفكير في لجوء تونس او حكومة الوحدة الوطنية الى مثل هذا السيناريو لا يمكن ادراجه ضمن الحلول الممكنة لتغطية عجز ميزانية الدولة.
من ناحية اخرى، ان الحديث عن افلاس الدولة هو امر لا معنى له باعتبار ان الدول لا تفلس وانما تعجز عن تسديد ديونها وهو وضع لا يختلف في اثاره عن الافلاس. وما يخشاه التونسي اليوم هو ان تصل تونس الى مستوى العجز عن تسديد الديون رغم ان تونس وصلت الى مرحلة الاقتراض من اجل تسديد ديونها الخارجية، وضع يكشف عن عجز الحكومات عن ادارة الازمة المالية الخانقة من جهة، وعن اقتراح حلول حقيقية وسيادية من جهة اخرى.
ان الانتقادات التي وجهت لوزير المالية بالنيابة والتي بلغت في بعض الاحيان حد الشراسة إثر تصريحاته بخصوص وضعية المالية العمومية، جاءت على خلفية التخوف من السقوط في عدم امكانية تسديد الديون، وضع اصبحت تؤكده كل المؤشرات المالية والاقتصادية وفي مقدمتها تراجع الدينار التونسي، وما تعيشه المالية العمومية اليوم وهو مقدمة لوضع صعب ينتظره جميع التونسيين.
ان استبعاد الحديث عن افلاس البلاد مقابل الحديث عن عجز في تسديد الديون هو مؤشر على دخول ميزانية الدولة مرحلة التقشف الحاد واقتصارها في باب النفقات على تأمين الاجور والتقليص تدريجيا من بقية نفقات ميزانية التصرف وخاصة تلك المتعلقة بالدعم فضلا عن مزيد تقليص ميزانية التنمية بعنوان تمويل المشاريع العمومية والاستثمار العمومي.
تصريح وزير المالية بالنيابة حاول الاشارة الى هذا الوضع لكنه تجنب الدخول في تفاصيل سيكتشفها المواطن التونسي ابتداء من هذه السنة في حياته اليومية وفي قفته حيث ستشهد مقدرته الشرائية مزيدا من التقهقر والتراجع تحت ضغوط تدهور قيمة الدينار، وضغوط ارتفاع الاسعار وتآكل خدمات المرفق العمومي نتيجة عجز الدولة عن تخصيص الاعتمادات اللازمة لحسن ادائه، كما سيعيشه من خلال افلاس الشركات وتسريح العمال بما سيساهم في ارتفاع عدد الوافدين على سوق الشغل وتفاقم الاحتجاجات الاجتماعية.
ولئن نستبعد الحديث عن افلاس الدولة في الظروف التي تمر بها المالية العمومية، فإننا نقر بانخراط حكومة الوحدة الوطنية في مسار تكريس سياسية تفقير الشعب وهو ما اعلنت عنه في الجزء غير المعلن لتصريح وزير المالية بالنيابة
حرر يوم الاثنين 7 أوت 2017