سلطنة العازفين.. وحزبنة المستقلين..

 

بقلم عبد العزيز التميمي

 

لم تمر بعض السويعات على الاعلانات الاولية عن نتائج الانتخابات البلدية في اول استحقاقات محلية ديمقراطية في تاريخ تونس الحديث والمعاصر حتى انطلقت مطارق التكييف الايديولوجي ..وسلالم التصحيف المعنوي ومعاول التنضيد السياسي في مسابقة مهرولة للزمن أملا في تدارك ما فاتها من ضرب الوصاية على الذوات الحرة داخل زرائب صمت الخرفان..

 

ذكاء التونسيين عصي على طوباويات بعض النخب..فقد جدد عديد التونسيات والتونسيين بكثافة ثقتهم في مرشحي حركة النهضة للعمل البلدي وهو ما بوأهم المرتبة الاولى والمسؤولية الاولية لخدمة الناس بنسب متقدمة..ارتعد منها أرباب الديمقراطوفوبيا ..وسرعان ما ابتدعوا اشكالا مختلفة لتوصيف المشهد تدعو الى الشفقة من كاركاتوريتها..انطلقت الابواق ..انها الهزيمة للنهضة ....لقد خسرت النهضة بفوزها بالمرتبة الاولى ..لا..لا..ان الفائزين بالمرتبة الاولى هم المستقلون..الانتخابات سيطر عليها العزوف ..وهو دليل على رفضها وفشلها.. وهلم جرا ..وهلم كرا..

ولا يخفى على كل متابع ان نجاح التونسيين في اجراء اول انتخابات بلدية ديمقراطية في تونس كان حلما دونه "خرط القتاد "..كما يقول المثل العربي.
ووضعت دونه عوائق اجرائية وحزبوية وأمنية وسياسية واجتماعية كادت ان تعصف به لولا صلابة الارادة الشعبية التي استعصت على جميع الشكوك والمطبات.

 

العزوف لم يكن موقفا..وهو ما يدعونا الى التساؤل عن الفرق بين العزوف والمقاطعة والصمت او الانسحاب الانتخابي. ذلك ان دهاقنة السياسة جعلوا من العزوف عن الانتخاب موقفا سياسيا مع سابقية الاضمار والترصد والحال ان العزوف انسحاب تسببت فيه الحملات الوهابية الاعلامية نسبة الى اجهزة عبدالوهاب عبدالله الغوبلزية ..- نسبة الى غوبلز عراب اعلام النازي هتلر - زمن بن علي..وهي حملات رذلت الاحزاب واستهلكت السياسة وجرمت السياسيين.. مما جعل عددا من المواطنين يعزف عن السياسة في لعبة المحاصرة بالوعي الزائف..ولكن العازفين عن الانتخابات لم ينتظموا في كتلة انخرطت في حملة منهجية لمقاطعة الانتخابات.. وهو ما تبناه المترشحون الذين ساءتهم نتائجهم فاحتفلوا واحتفوا ايما احتفاء بالعازفين.
 

فلم يكن العزوف إذا موقفا سياسيا في المقاطعة ولا انخراطا عمليا في فرض المقاطعة ..وانما هو عزوف نأى بنفسه عن سجالات السياسيين. وفي العلوم السياسية والانتخابات الديمقراطية يتم الاهتمام بالدرجة الأولى بالمواطنة الإيجابية الفاعلة والمصوتة التي سجلت موقفها في العملية الديمقراطية ..اما المواطنة السلبية la citoyennete passive فلا يلقى لها بال ولا تحتسب في الثقافة الديمقراطية..

 

العزوف يعكس من ناحية اخرى حالة غير مباشرة من الرفض السلبي لاهتراء المشهد السياسي..ويعري فراغا يعانيه ذلك المشهد بسبب انسداد افقه عن الحوار وتلبية التطلعات الوطنية والاجتماعية للشعب.. فراغ في المنطقة الليبرالية الوطنية ..وفراغ في المنطقة الاجتماعية الديمقراطية.. امام احزاب تمترست وراء مقولات واوهام القرن التاسع عشرالحداثية..اومقولات واوهام القرون البعيدة للفتنة والجمود وتعقيداتها، دون ادراك للابعاد الجديدة للحداثة و لتشكلات الواقع الاجتماعي والسياسي وتمظهراته ، ولبنية الهوية الوطنية الاسلامية الانسانية والديمقراطية المتحركة وتمثلاتها.. 

 

والخطير في هدا كله أن يتحول ترذيل السياسة والاحزاب والاستهتار بها طيلة سبع سنوات من الثورة - ليس الى عزوف من الاحزاب والسياسيين فحسب وانما الى الإعراض عن الديمقراطية وضرورات الفعل والممارسة الديمقراطية  في حد ذاتها..وذلك هو المقصد الاسنى للطابور الخامس الذي تغذية الاجندات الداخلية والخارجية بالليل وبالنهار وبالأموال وعتلات الضغط الثقيلة ليشكل بنية تحتية جاهزة للنزعات الفاشية الاوتوقراطية الدكتاتورية من ناحية ..والارهابية السلفية من ناحية اخرى. 

 

اما مسالة المستقلين واجتهاد المتملقين لوضعهم في المرتبة الأولى للسلم التراتبي للأحزاب الفائزة بالانتخابات..فان المستقلين عامل اثراء وترحيب كفاعل مدني متعدد المشارب والخبرات ومكون رئيسي في البلديات ..هذا أكيد.. لكن من أخبر المتملقين بان المستقلين يقبلون تصنيفهم ضمن السلم التراتبي للأحزاب والحال انهم نأوا بانفسهم عن الأحزاب وسموا انفسهم بالمستقلين اختيارا منهم للإبتعاد عن التصنيف السياسي والحزبي..فلماذا هذا التهـافت والتوظيف الانتهازي للمستقلين من اجل اغتصاب استقلاليتهم وإرادتهم الحرة والرمي بهم قسرا في أتون التجاذبات الايديولوجية والحزبية. وتلك  لعمري خيانة للمستقلين.

 

 

والغريب أن التهافت المكشوف على المستقلين جعل بعض الاطراف مثلما صرح بذلك السيد عبدالستار المسعودي المحامي المنشق عن حركة نداء تونس تشكل للمستقلين هيئة اركان حزبية تقودهم ..حيث ذكر المسعودي انه شكل بمعية السادة منذر بالحاج علي والازهر العكرمي وهم المنشقون الثلاثة عن نداء تونس القوائم المستقلة في الجمهورية ونظموا حملاتها ومشاركاتها..ونصبوا من ثلاثتهم هيئة اركان قيادية تمثلهم. واذا كان الامر كما ذكروا فماذا بقي لهؤلاء من الاســتقلالية ،غير الوهم والتلاعب بمصائر الناس تحت قناع الاستقلالية.

 

تجدر الاشارة الى ان الفاعلين السياسيين مدعوون الى الاهتمام بالقاعدة الانتخابية في مختلف ديناميكياتها الفئوية والعمرية وليس الشبابية فحسب ..خاصة في ظل توجه المشهد الديمغرافي التونسي نحو التهرم التدريجي وبلوغ الخط البياني لتزايد نسبة الشباب في تونس الى قمته ووصوله إلى  منتهاه سنة 2016 نتيجة السياسات الانجابية التونسية ..و قد انحنى الخط البياني نحو منحدر تنازلي بداية من نفس السنة.. 

 

ولا يفوت التنبيه الى أن القاعدة المسجدية والحالة الدينية في تونس بدت بعيدة عن المشهد الانتخابي ..ومن مسؤولية حركة النهضة إدماج الحالة الدينية في الحركة الديمقراطية حتى تحقق الاضافة لشعبها ووطنها ولا تبقى نهب الفراغ والاطماع التخريبية او الارهابية والبوهيمية الموغلة في الجمود والخرافة.