رغم أنها انتقدت قانون المالية : منظّمة الأعراف تتحمّل أيضا مسؤولية الأزمة

بقلم : جنات بن عبد الله

 

أصدر الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة يوم الجمعة الماضي 15 ديسمبر 2017 بيانا سجل فيه خيبة أمل مختلف القطاعات والجهات المنظوية تحت الاتحاد من الصيغة النهائية لقانون المالية التي لا تستجيب لتطلعات المستثمرين ما يهدد المؤسسة الاقتصادية بالاندثار وبفقدان مواطن الشغل وذلك على خلفية الترفيع في الضرائب والأداءات والمعاليم الجمركية.

ويرى الاتحاد الذي تقدم بمقترحات للحكومة لم يتم اخذها بالاعتبار في مشروع قانون المالية، انه في الوقت الذي تم فيه توظيف عديد الضرائب على الشركات المقيدة بالقانون لم تلتفت الحكومة الى السوق الموازية.

بيان الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية أطلق صيحة فزع لتنبيه الحكومة وتحذيرها من الوضع الصعب الذي تعيش في فلكه المؤسسة الاقتصادية المهددة اليوم بالاندثار بعد صمودها، طوال سبع سنوات امام تهديدات الاوضاع الداخلية والخارجية وبالتحديد الاقليمية المرتبطة بالسوق الليبية والسوق الأوروبية.

في بيانه الاخير تعرض الاتحاد الى التهديدات الجبائية وشح السيولة النقدية وتأثير ذلك على الاستثمار في صيغة شديدة اللهجة تجاه قانون المالية لسنة 2018 الا انه صمت امام التهديد الاكبر الذي سيؤدي الى انهيار الاقتصاد الوطني ومنظومة الانتاج بقطاعاتها الثلاثة الفلاحة والصناعة والخدمات، ويتمثل هذا التهديد في ارتفاع التوريد بشقيه المنظم والعشوائي.

ولئن نتفهم موقف المنظمة من قطاع التجارة الذي هو من مشمولاتها وتدافع عن متعاطيه الا ان المستوى الذي بلغه عجز الميزان التجاري في السبع سنوات الاخيرة بعد الثورة يفترض من منظمة الاعراف مراجعة توجهاتها في اتجاه توفير الحد الادنى للمؤسسة المنتجة واعادة الاعتبار للنسيج الصناعي ودوره في تأمين حاجيات السوق الداخلية وخلق مواطن الشغل وتوفير العملة الصعبة المتأتية من التصدير.

لقد أثقل عجز الميزان التجاري التوازنات المالية الداخلية والخارجية للبلاد وتسبب في:

ـ تفاقم عجز ميزان المدفوعات والعجز الجاري الذي بلغ مستويات قياسية وصلت الى ٪9 من الناتج المحلي الاجمالي في حين ان المستوى المتفق عليه لا يتعدى ٪3 من الناتج المحلي الاجمالي.

ـ مزيد اللجوء الى الاقتراض الخارجي والرضوخ لشروط صندوق النقد الدولي المجحفة و«الموجعة» والتي تتضارب مع اولوياتنا التنموية العاجلة المتمثلة في اعادة بناء اقتصادنا وتقوية منظومة الانتاج.

ـ انزلاق الدينار التونسي وضرب سيادتنا النقدية، انزلاق تسبب فيه القانون الاساسي الجديد للبنك المركزي التونسي والذي يندرج ضمن شروط صندوق النقد الدولي مقابل الحصول على القرض المحدد بقيمة 2.9 مليار دولار.

ـ افلاس واندثار المؤسسات الصناعية التي اصبحت عاجزة عن مواجهة ومنافسة المنتوج المورد.

ـ تدهور القطاع الفلاحي الذي دخل في منافسة غير متكافئة مع المنتوجات الموردة.

ـ تراجع الاستثمار في جميع المجالات بما قطع الطريق امام خلق مواطن شغل جديدة فضلا عن تدمير ما هو موجود.

ـ تفاقم عجز الصناديق الاجتماعية نتيجة تراجع نشاط مؤسسات القطاع الخاص والقطاع العمومي التي عجزت بذاتها عن منافسة المواد الموردة ونذكر في هذا المستوى شركة «ستيب» للعجلات المطاطية والامثلة كثيرة...

ـ ارتفاع الاسعار وارتفاع نسبة التضخم نتيجة للتوريد وانزلاق الدينار

ـ ارتفاع نسبة البطالة نتيجة تعطل عجلة الانتاج وانسداد افق الاستثمار

ـ تدهور المقدرة الشرائية للمواطن

ـ تدهور الخدمات العمومية نتيجة تدهور موارد الدولة نتيجة الركود الاقتصادي واندثار الشركات ونقصد بها الخدمات الصحية والتعليم والنقل الى جانب ارتفاع فواتير استهلاك الطاقة والماء والاتصالات...

وفي مقابل ذلك ساهم تفاقم عجز الميزان التجاري في دعم نمو الشركات الاجنبية التي تورد منتوجاتها وفي دعم خلق مواطن الشغل في هذه البلدان، وفي دعم قدراتها الانتاجية والمالية وبصفة عامة في دعم وتعزيز نسبة نمو ناتجها المحلي الاجمالي.

ولئن نستغرب صمت الحكومات المتعاقبة بعد الثورة للحد من تفاقم عجز الميزان التجاري سواء من خلال العمل على دفع التصدير او التقليص من التوريد المنظم، فان استغرابنا يتضاعف الف مرة اذا احتسبنا التوريد العشوائي الذي يغذي اكثر من ٪50 من الناتج المحلي الاجمالي، لنقف عند حصيلة مفجعة ووضع نعجز عن تقييم خسائره وتداعياته العاجلة والآجلة على جميع المستويات بما في ذلك المستوى السياسي الذي يبقى رهين الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والمالي.

ولئن تتحمل وزارة التجارة مسؤولية تفاقم عجز الميزان التجاري بسبب رفضها او تخوفها او ترددها في اقرار الاجراءات الحمائية الظرفية المقرة في اتفاقيات التبادل الحر وفي احكام اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة، أو التأخير في اتخاذ اجراءات على غرار ما أقرته في الاشهر الاخيرة مثل اجبار الموردين على تقديم وثائق وشهادات المنشأ، وتعزيز الرقابة الفنية على السلع الموردة، والقرار المشترك مع البنك المركزي الرامي الى وقف البنوك إقراض الموردين التونسيين لتمويل واردات عدد من السلع الاستهلاكية، فان اطرافا اخرى تتحمل الجزء الاكبر من هذه المسؤولية وفي مقدمتها منظمة الاعراف التي غادر منخرطوها خاصة بعد خمس سنوات عن ابرام تونس لاتفاقية الشراكة مع الاتحاد الاوروبي في سنة 1995، القطاع الصناعي ليمارسوا النشاط التجاري، تطورات لم يواجهها النظام السابق بل شجعها بصمته لتعمق الحكومات المتعاقبة بعد الثورة هذا التوجه بوزارة صناعة ضعيفة وغائبة عن الوجود، وبوزارة فلاحة تجهل العادات الغذائية للتونسي وتعتبر زيت الزيتون دخيلا.

والى جانب ضعف وانعدام السند للقطاع الصناعي والقطاع الفلاحي فقد ساهم قانون الصرف الذي يفرق بين الشركات المقيمة المطالبة باسترجاع مداخيل صادراتها والشركات غير المقيمة والمتمتعة بالامتيازات فضلا عن أنها غير مطالبة باسترجاع مداخيل صادراتها، في تعميق عجز الميزان التجاري الذي تجاوز خلال الاحدى عشر شهرا الاولى من السنة حدود 23 مليار دينار عكس الارقام الرسمية التي تحتسب صادرات الشركات غير المقيمة والتي لا نجد لها أثرا في ميزان المدفوعات وفي الاحتياطي الوطني من العملة الاجنبية والتي تسوق لعجز افتراضي في حدود 14 مليار دينار.

هذه الثنائية في تصنيف المبادلات التجارية حسب النظام العام (Régime général) ونظام التصدير الكلي (Régime off shore) كانت محل انتقاد الاتحاد الأوروبي والذي استند اليه لتصنيف تونس ضمن الجنات الضريبية، يقف وراء تدهور ميزان المدفوعات والعجز الجاري وانزلاق الدينار التونسي، وضع تتحمل مسؤوليته وزارة المالية والبنك المركزي التونسي.

وكما اطلق الشاهد حربه على الفساد، فان الوضع يفترض اليوم ان يطلق الشعب التونسي والمؤسسات الاقتصادية الحرب على التوريد كخطوة نحو انقاذ الاقتصاد الوطني وانقاذ البلاد من هزات اجتماعية محتملة.

تعليقات الفيسبوك