جني "الفلّين" الموسمي في تونس..مصدر رزق تتوارثه الأجيال

الخميس, أوت 20, 2015 - 09:45

تتميز المنطقة بوجود غابات كثيفة من أشجار الفلين، والصنوبر، والبلوط، والزان، وهي ثروةٌ حرجية مثلت لسكان المنطقة مصدر رزق على مدى عقود.

 

 

عين دراهم (تونس)/ رشيد القروي / الأناضول

في الطريق إلى منطقة عين دراهم، بمحافظة جندوبة التونسية، تأسرك الطبيعة الخلابة وتلك المنازل المعلقة في قمم الجبال، المكتظة بالغابات الكثيفة، من أشجار "بلوط الفلين"، والصنوبر، والزان، ثروةٌ حرجية مثلت لسكان المنطقة مصدر رزق على مدى عقود من الزمن، من خلال عملهم في جني الفلين.

ويتصدر موسم جني الفلين، اهتمامات وأنشطة سكان المنطقة الواقعة في محافظة جندوبة، شمال غربي البلاد، فبعد أن كان حصاده من التقاليد التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، تحوّل شيئاً فشيئاً إلى مصدر للرزق يؤمن لقمة العيش لهم.

ويبدأ موسم جني الفلين في هذه المنطقة، مع بداية مايو/أيار، ويتواصل حتى نهاية نوفمبر/تشرين ثان، وتشرف عليه الوكالة الوطنيّة لاستغلال الغابات (مؤسسة حكوميّة)، موفرة فرصة عمل لنحو 3800 شخص كل الموسم.

وعن تاريخ جني الفلّين وعلاقته بسكّان المحافظة، يقول المواطن محمّد صالح العرفاوي، للأناضول، إن آباءه وأجداده  كانوا يستغلّون أشجار البلوط  بجمع ثمارها، واستخدامها كعلف (طعام) للحيوانات، أمّا الفلّين وهو قشر الشجرة، فكان يُستعمل في صناعة الأصص (جمع أصيص ويعني إناء) لزراعة الأزهار والزينة، و خلايا تربية النحل التي تسمى محلياً "الأجباح".

كما كان يستخدم في صناعة تحف منزلية، وصناديق تحفظ فيها النساء مواد التجميل.

وخلال الفترة الاستعماريّة، يقول منير الكسراوي، رئيس مصلحة البرمجة  والمتابعة بوكالة الغابات (حكومية)، إن "جني الفلين أصبح يخضع للمحتل الفرنسي (1881-1956)، حيث يتم تصديره واستغلاله في أنشطة عدّة تواصلت بعد استقلال البلاد، إذ حرصت الدولة آنذاك على  إنشاء مصانع  لهذه المادّة، و قنّنت عمليّة تصديرها إلى الخارج، وخاصة البرتغال الذي يستورد القسط الأكبر من صادراتنا من الفلّين والمقدّرة بـ 90% من الإنتاج  الوطني كمادة مصنّعة، حفاظاً على العلامة التونسيّة".

وبحسب حديث الكسراوي مع الأناضول، يمنع القانون التونسي تصدير هذه المادّة خاماً، أمّا الاستهلاك المحلي من هذه المادّة فتُخصص له الـ 10% المتبقية من الإنتاج الوطني، الذي  يبلغ معدّله السنوي سبعة آلاف وخمسمائة طنّ.

وتُقدّر الوكالة التونسية، مساهمة محافظة جندوبة في الإنتاج الوطني من مادّة الفلين، بـ 73%، وهي نسبة تعود لمساحة غابات هذه المادة في المحافظة، والتي تضاعفت بعد الاستقلال لتصل 68 ألف هكتار، أيّ ما يعادل 76% من مساحة غابات الفلّين في البلاد، والمقدّرة بـ 87 ألف هكتار. 

في إحدى مزارع جني الفلين بالمنطقة، يتوزع العمال، كلٌ حسب اختصاصه، فهناك مراقب العمّال، ومستعمل الشاقور (أشبه بالفأس)، وناقل الفلّين، وناقل الماء على الدابة، والسقاء، والمسجّل، وصولاً إلى  جامع قطع الفلّين.

ويصل معدّل الأجر اليومي للعامل، حسب الكسراوي، 13 ديناراً (نحو 6.5 دولارات)، ولا يختلف الفرق في الأجر بين تلك الاختصاصات إلاّ ببعض المليمات.

محسن العرفاوي، أحد العاملين، يضطر مع كل نهاية الموسم إلى مغادرة مسقط رأسه عين دراهم نحو العاصمة تونس، للعمل في مجال البناء.

ومع انطلاق الموسم في العام التالي، يعود العرفاوي مستأنفاً نشاطه في غابات عين دراهم، وهو يمنّي نفسه، كما يقول للأناضول، بأن توفر الدولة بعض المشاريع الاستثماريّة حتى لا يضطّر وأمثاله إلى  النزوح نحو المدن الكبرى.

ووفق إحصائية المندوبية الجهوية للتنمية (مؤسسة حكوميّة )، يتمركز ثلاثة أرباع سكّان جندوية في الغابات والأرياف، وهي مناطق تعاني الفقر، لارتفاع نسب البطالة بها، نتيجة غياب فرص التشغيل.

أما عادل خميري، وهو صانع  تحف، فيقول للأناضول: "رغم أنّي تلقّيت تكويناً (تأهيلاً) في تقنيات جني الفلّين، إلا أنني توقفت عن العمل فيه، لأنني أجد نفسي عاطلاً عن العمل، ومجبراً على النزوح مثل بقية السكّان خلال الاشهر الستة الباقية، ولهذا السبب فكّرت في امتهان صناعة التحف الخشبيّة".

العمل في جني الفلين، كان مختلفاً مع هادي السومري، الذي قال للأناضول: "لقد وجدت في هذا العمل مصدر رزق محترم، وجنبني النزوح إلى المناطق الحضريّة، حيث تمكنت من خلال ما جنيته، من تسييج أرضي، وزراعة العديد من الأشجار المثمرة، وتربية الماعز والدواجن" .

وعن مشاكل هذا القطاع يتحدث جلال مبروك، رئيس مصلحة الغابات (حكومية)، في عين دراهم، عن نقص الأيدي العاملة المختصة.

ويقول للأناضول إنه "على الرغم من قيام وكالة استغلال الغابات بدورات تكوينيّة  في مجال  جني الفلّين لصالح سبعين عامل كل سنة، إلاّ أن القطاع ظلّ يعاني من إشكالية نقص الأيدي العاملة، والسبب في ذلك هو عزوف العمّال عن هذا العمل بسبب موسميته".

وينقسم  الفلّين إلى نوعين، الأول يسمّى الذكر وهو الجيل الأوّل، ويتميّز بكونه صلباً، وقليل المطّاطية، ومشقق، أما الثاني وهو الأنثى أو المولد فيُنتج بعد جني الذكر، بحسب عوادي بلعيدي، الذي يترأس مجوعة عمال في هذا النشاط.

ووفق بلعيدي، يعتبر الفلين الذكر، الأغلى ثمناً، حيث يتم جنيه مرّة واحدة بعد بلوغ  الشجرة 35 عاماً، أمّا النوع الآخر فيتم جنيه كلّ 12 سنة، وهي الفترة الزمنيّة التي تتمكّن فيها الشجرة من تكوين قشرة جديدة من الفلّين يصل سمكها 4 سنتيمترات.

ويشرح كيفية جني الفلين، قائلاً إن العمال يستخدمون آلة حديدية شبيهة بالفأس وتسمّى محليّاً بـ"الشاقور"، وبعد ذلك يتم نقله على ظهور الدوّاب عبر مسالك الغابة، ومن ثم تجميعه في مساحات مخصصة لذلك، ومن هناك يتم تحميله عبر شاحنات إلى المصانع، لاستخدامه في صناعة الأحذية، وأغطية القوارير، والرّقائق التي تستعمل في المنازل والمكاتب كعازل للضجيج والحرارة.

وبعيداً عن المصانع والغابات، ما زال سكان المنطقة يحافظون على مهنة توارثوها عن أجدادهم، حيث يصنعون من الفلين، التحف، وخلال النحل، وغيرها. 

وبحسب الوكالة الوطنيّة لاستغلال الغابات، فإن عائدات بيع مادّة الفلّين، تقدّر سنوياً بـ 9 ملايين دينار (ما يعادل 4 ملايين و586 ألف دولار)، وهي عائدات يمكن مضاعفتها بحسب المختصين إذا تم حلّ الإشكاليات التي يواجهها هذا القطاع، بينها الحدّ من النزوح، وخلق فرص عمل للسكّان بعد الانتهاء من الموسم.

 

 

 

نوع: 
المناطق: 
الأقسام: 

تعليقات الفيسبوك