جرّبتها هذه الحكومة والحكومات المتعاقبة : «المعالجة التقليدية» لن تحلّ أزمة الفسفاط!

 

 

بقلم: جنات بن عبد الله
كشف فشل المفاوضات بين الوفد المتكون من اتحاد الشغل ونواب من جهة قفصة وعدد من مكونات المجتمع المدني بالجهة والمحتجين بالحوض المنجمي لفك الاعتصام واستئناف النشاط بشركة فسفاط قفصة، عن عمق الفجوة بين الحكومة وتطلعات وانتظارات أهالي الجهة.
ولئن اتخذ ملف المعتصمين بقفصة بعدا وطنيا وتجاوز حدوده الجهوية باعتبار مكانة الشركة في الميزان التجاري والتوازنات المالية الخارجية فإنّ تطلعات وانتظارات أهالي قفصة لا تختلف عن تطلعات وانتظارات بقية أهالي الجهات الداخلية التي لا تزال تعاني من نفس الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والمالية والثقافية والتربوية والصحية...
ولئن تذهب بعض القراءات الى ربط ما يحدث في عدد من جهات الجنوب التونسي من احتجاجات بتدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي بعد الثورة فإن جذورها تعود الى سبعينات القرن الماضي وهي الفترة التي انخرطت فيها بلادنا في خيارات اقتصادية ليبرالية تقوم على الانفتاح على الاستثمار الأجنبي المباشر وتستجيب لحاجيات الأسواق العالمية واعطاء الأولوية لطلبات الشركات العالمية على حساب أولوياتنا التنموية الوطنية.

 

وقد تم التأسيس لهذا الخيار بإقرار قانون أفريل 1972 الذي تدعم في سنة 1994 بمجلة تشجيع الاستثمار التي منحت امتيازات مالية وجبائية للمستثمر الأجنبي الذي اتجه مباشرة الى المناطق الساحلية للانتصاب وبعث وحدات انتاج تعمل في إطار المناولة في مجالات النسيج والملابس الجاهزة والصناعات الالكترونية والميكانيكية ليتعمق هذا الاتجاه اكثر بعد ابرام تونس لاتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في سنة 1995 التي تعتبر تمهيدا لاتفاقية أشمل وهي اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق "الأليكا" التي تضم الى جانب تحرير المبادلات التجارية في المجال الصناعي تحرير القطاع الفلاحي وقطاع الخدمات وينطلق العمل بها في سنة 2008 الا أن أحداث الحوض المنجمي آنذاك والأزمات الاجتماعية التي مرت بها أثناء حكم النظام السابق حالت دون انطلاق المفاوضات بشأنها ليتم طرحها اليوم وبإلحاح مع حكومة الوحدة الوطنية.
وقبل سنة 1995 ورغم فشل نتائج التحرر الاقتصادي الذي تجلى في تراجع كل المؤشرات الاقتصادية والمالية في سنة 1986 والذي شرّع لاختراق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لسيادتنا الوطنية من خلال اقرار برنامج الاصلاح الهيكلي للاقتصاد الوطني تم ضبط منوال تنمية يقوم على الاستجابة لطلب الاسواق الخارجية والشركات العالمية وتجاهل حاجيات وطلبات السوق الوطنية تحت غطاء اصلاحات هيكلية عميقة تم توظيفها لخدمة مصالح الشركات العالمية والاستثمار الأجنبي المباشر الذي اتجه اهتمامه لقطاع الطاقة والمناجم وبدرجة أقل للصناعات المعملية الخفيفة.

 

منوال التنمية استند ولا يزال لخيارات وتوجهات صندوق النقد الدولي

لقد كرس منوال التنمية الذي استند ولا يزال لخيارات وتوجهات صندوق النقد الدولي لسياسة تهميش الجهات الداخلية من جهة، وتهميش المؤسسات العمومية والمرفق العمومي من جهة أخرى، وذلك من خلال دعم الاستثمار الأجنبي المباشر على حساب الاستثمار الوطني ومن خلال تقليص دور الدولة في القطاعات ذات البعد الاجتماعي مثل التعليم والصحة والنقل بتبني سياسة مالية عمومية تقشفية تعمل على تقليص الاعتمادات الموجهة لهذه القطاعات الحيوية.
وبعد الثورة، لم تقطع الحكومات المتعاقبة على السلطة بما في ذلك حكومة الوحدة الوطنية مع منوال التنمية الذي يقف وراء ثورة الكرامة، ليتواصل العمل بنفس البرامج والخيارات حيث يعتبر اتفاق 23 فيفري 2018 الصادر عن مجلس وزاري خصص لفائدة ولاية قفصة احد افرازات هذه البرامج والخيارات.
محاور هذا الاتفاق الذي قوبل بالرفض من قبل أهالي قفصة لم يخرج عن المعالجة التقليدية التي كان يتبناها النظام السابق ليصطدم أهالي قفصة بنفس الآليات والحلول على غرار إحداث 7 آلاف موطن شغل افتراضية تتوزع بين انتدابات بشركة الفسفاط وشركة البيئة ومؤسسات عمومية وتكوين عاطلين عن العمل والتكفل بتمويل مشاريع للراغبين في الانتصاب للحساب الخاص.
هذه الحلول سوّق لها النظام السابق والحكومات السابقة بعد الثورة لتكشف عقم منوال التنمية وحدوده في ظل ضغط عجز ميزانية الدولة الذي تفاقم منذ الثورة ليشكل ضغطا إضافيا وقيودا على هامش تحرك الحكومة الحالية المتمسكة بمنوال تنمية رسم أبعاده صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي لخدمة مصالح الشركات العالمية على حساب أولوياتنا التنموية.
إن الاصرار على معالجة أزمة الحوض المنجمي في إطار هذه الخيارات من شأنه أن يعمق القطيعة بين الحكومة وأهالي الجهة من جهة، ويعمق الفجوة بين منوال التنمية وتطلعات وانتظارات أهالي الجهة من جهة أخرى.

أمام هذه الحكومة الخيار الأمني للتستر على فشلها

وفي ظل هذه المعادلة المختلة يبقى أمام هذه الحكومة الخيار الأمني للتستر على فشلها ورفضها الاستماع لمشاغل الشعب التونسي وخدمة أولوياتنا التنموية للحفاظ على مصالح الشركات الأجنبية والاستثمار الأجنبي حيث يعمل الخطاب السياسي على التسويق له كمحرك للنمو في الوقت الذي لم تجن منه البلاد، كما يدعي أنصار الانفتاح والعولمة ومناطق التبادل الحر، لا نقل التكنولوجيا ولا غزو أسواق خارجية جديدة ولا نمو اقتصادي ولا مداخيل من العملة الصعبة بل عمّق هذا الاستثمار الأجنبي تبعيتنا الى الاتحاد الأوروبي الذي يعمل على تحويل بلادنا الى سوق مفتوحة لترويج منتوجاته وتأمين مواطن الشغل لشبابه كما عمّق تبعيتنا لصندوق النقد الدولي الذي بسبب اصلاحاته المشروطة على بلادنا هتك مديونيتنا الخارجية بما قلّص من سيادتنا الوطنية.

تعليقات الفيسبوك