بعنوان تمويل ميزانية الدولة لسنة 2018 : بيع لممتلكات الشعب وتخلي عن السيادة المالية

 

بقلم جنات بن عبد الله

انطلقت حكومة الوحدة الوطنية في التسويق للإجراءات والتدابير التي سيتم اقرارها لتعبئة الموارد لتمويل ميزانية الدولة لسنة 2018 . وقد شكل هذا الموضوع محور اللقاء الذي جمع مؤخرا رئيس الحكومة برئيس الجمهورية.
في ذات السياق كشف المستشار لدى رئيس الحكومة فيصل دربال عن توجهات هذه الاجراءات والتدابير في الندوة التي نظمها المعهد التونسي للخبراء المحاسبين يوم الثلاثاء الماضي والتي جاءت تحت عنوان «الحلول المبتكرة للتحكم في ميزانية الدولة».
ما يلفت الانتباه في هذا العنوان الايحاء بأن الحلول المطروحة والتي قدمها السيد المستشار هي حلول مبتكرة وجديدة في حين أنها تندرج في اطار وثيقة قرطاج في باب التحكم في التوازنات المالية الداخلية والخارجية المنبثقة عما جاء في رسالة النوايا التي توجهت بها الدولة التونسية بتاريخ 2 ماي 2016 الى صندوق النقد الدولي أيام حكومة السيد الحبيب الصيد والموقعة من قبل محافظ البنك المركزي التونسي الشاذلي العياري ووزير المالية سليم شاكر والتي رسمت رزنامة تطبيق الاصلاحات التي وضعها الصندوق على امتداد خمس سنوات من 2016 الى 2020 من قبل الدولة التونسية مقابل القرض الذي وافق عليه مجلس ادارة الصندوق والذي تحصلت تونس على قسطين منه الى حد الان.
المستشار لدى رئيس الحكومة قدم هذه الحلول في ثوب ثوري يتناغم ظاهريا مع استحقاقات الثورة باعتبارها ستساهم في الحد من اللجوء الى التداين الخارجي، تداين بلغ الى حد الان مستوى قياسيا، ويتمثل في خوصصة المؤسسات العمومية غير الحيوية على غرار البنوك والتفويت في الوكالة الوطنية للتبغ والوقيد.
المستشار لدى رئيس الحكومة لم يتوقف عند الاعلان عن التوجه العام ولكن قدم الدوافع والتبريرات التي تم اعتمادها في هذا المجال.
فبالنسبة لخصخصة المؤسسات العمومية غير الحيوية على غرار البنوك لاحظ أنه لا يوجد أي معنى وأي جدوى من امتلاك الدولة ومساهمتها في 9 بنوك. تحليل أو تفسير يثير الاستغراب من قبل مستشار في حكومة تحمل شعار "الوحدة الوطنية" وهو نفس التفسير الذي روج له الوزير المكلف بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني مهدي بن غربية حيث اعتبر أن تفويت الدولة في مساهماتها سواء في المؤسسات العمومية أو البنوك سيخفف من الضغوط على الميزانية بعنوان الدعم الذي تقدمه الدولة للمؤسسات العمومية وسيوفر من جهة أخرى مداخيل جبائية اضافية باعتبارها ستتحول الى القطاع الخاص.
وبالنسبة للتفويت في الوكالة الوطنية للتبغ والوقيد لاحظ السيد المستشار أنه لا معنى لاحتكار الدولة لنشاط التبغ.
ما يلاحظ بخصوص هذا التوجه الحكومي وهذا التبرير والتفسير لجدواه هو اعتماده على التحليل المالي البحت بعيدا عن التحليل السيادي الشامل والاستراتيجي بعيد المدى.
وبقطع النظر عن الخلفية الايديولوجية لصندوق النقد الدولي التي تقوم على تخلي الدولة عن القطاعات المالية والاقتصادية والاحتكام لقانون السوق في اطار نظام ليبيرالي لا دور فيه للدولة، ليقتصر هذا الدور على اقرار القوانين وتوزيع المعونات للعائلات المعوزة بفضل سياسة اجتماعية تقوم على الاستهداف، فإننا نتساءل عن عبرقية المسؤول الوطني في الانخراط في هذا التوجه الذي لم نجن منه الا مزيدا من تفاقم لعجز ميزانية الدولة وعجز الميزان التجاري ومزيدا من البطالة وتدمير النسيج الصناعي والقطاع الفلاحي والتضخم وتدهور الدينار التونسي، نتائج أفرزها برنامج الاصلاح الهيكلي للاقتصاد الوطني الذي تم اقراره من قبل صندوق النقد الدولي في سنة 1986 ، ويتكرر العمل به بعد الثورة في اطار برنامج اصلاحات اقتصادية ومالية روج له في اطار وثيقة قرطاج كخطة انقاذ للاقتصاد الوطني.
لقد صمم صندوق النقد الدولي لهذه الخطة في النقطة 21 المتعلقة بإعادة هيكلة المؤسسات العمومية في رسالة النوايا وضبط قائمة هذه المؤسسات وهي الخمس التالية الشركة التونسية للكهرباء والغاز والشركة التونسية لتكرير النفط وديوان الحبوب والخطوط التونسية والوكالة الوطنية للتبغ والوقيد.
كما تعرضت الرسالة للقطاع البنكي واصلاحه في النقطة 29 ودعا الى التفويت في البنوك العمومية الثلاث بنك الاسكان والبنك القومي الفلاحي والبنك التونسي.
هذه الرسالة تعرضت أيضا الى ملف الفساد حيث صمم صندوق النقد الدولي لخطة مقاومة الفساد في النقطة 27 التي تعمل حكومة الوحدة الوطنية على تنفيذها بكل دقة.
ولئن نتفهم الخلفية الايديولوجية لصندوق النقد الدولي عند اقراره لمثل هذه الاجراءات المتعلقة بالخصخصة والتفويت في المؤسسات العمومية والبنوك العمومية، فإننا لا نفهم هذا الانضباط المطلق لحكومة الوحدة الوطنية في تطبيق برنامج الاصلاحات خاصة بعد صدور تقرير دائرة المحاسبات الاخير الذي كشف بدقة وبكل موضوعية أسباب عجز المؤسسات العمومية وتفاقم عجز ميزانية الدولة التي يمكن اختزالها في سوء التصرف في المال العمومي وفي الفساد، تقرير كان على هذه الحكومة أن تدرجه ضمن استراتيجية مقاومة الفساد عوض الانسياق وراء الحلول الجاهزة التي تمس من سيادتنا الوطنية في مجال تمويل الاقتصاد وتوفير مداخيل لميزانية الدولة.
فبخصوص سيادتنا الوطنية في مجال تمويل الاقتصاد الوطني، تشكل البنوك العمومية العمود الفقري في تنفيذ سياسات الدولة في جميع المجالات باعتبارها الية تمويل في خدمة هذه السياسات، ويكفي التذكير في هذا السياق بدور هذه البنوك في بناء القطاع الصناعي التونسي وفي القطاع السياحي والقطاع العقاري. والتفويت في مساهمات الدولة في بعض البنوك والتفويت في البنوك العمومية من شأنه سحب هذه الالية من الدولة والتخلي عنها لفائدة البنوك الخاصة بما في ذلك الاجنبية التي تعمل على خدمة مصالح الشركات العالمية على حساب الأولويات الوطنية.
من جهة أخرى نستغرب قرار حكومة الوحدة الوطنية في التفويت في الوكالة الوطنية للتبغ والوقيد الذي يشكل مصدرا لتمويل ميزانية الدولة باعتبار احتكار الدولة لهذا النشاط الذي يعتبر من أهم مصادر التمويل، وما تعانيه الوكالة اليوم من صعوبات يعود الى الفساد وسوء التصرف.
لقد كنا نأمل من حكومة الوحدة الوطنية الإسراع في العمل على ارساء قواعد الحوكمة الرشيدة في الوكالة وضمان هذا المصدر الحيوي لميزانية الدولة للأجيال القادمة عوض الإسراع في التفويت فيها كحل ظرفي لن يغني ميزانية الدولة بقدر ما سيساهم في حرمانها على المدى الطويل من مصدر قار وهو ما يعتبر شكلا من أشكال ضرب السيادة الوطنية.
حرر يوم الخميس 20 جويلية 2017