بعد ضبط قائمة البضائع غير الضرورية من قبل «المركزي» ووزارتي التجارة والمالية والديوانة...مـــرونــــــة وزارة الـــتـــجارة فـــي غــيــــر مــحـــلـــــها!

بقلم: جنات بن عبد الله

وصف محافظ البنك المركزي التونسي يوم الاربعاء الماضي 8 نوفمبر 2017 عجز الميزان التجاري بالتاريخي، مطالبا بضرورة الحد من هذا العجز لوقف تراجع الاحتياطي من العملة.
في ذات السياق كشفت آخر الاحصائيات الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء المتعلقة بنتائج التجارة الخارجية للعشرة اشهر الاولى من السنة عن حجم هذا العجز الذي تجاوز لأول مرة في تاريخ تونس 21 مليار دينار وليس 13 مليار دينار المصرح به والذي يدمج المبادلات التجارية للشركات الخاضعة للنظام العام وهي الشركات المقيمة، والشركات الخاضعة لنظام التصدير الكلي وهي الشركات غير المقيمة في حين ان البنك المركزي التونسي كان واضحا في طريقة احتساب هذه المبادلات التجارية من زاوية سعر الصرف حيث كشف في وثيقة نشرها بتاريخ 30 ماي 2016 تتعلق بتحليل المبادلات التجارية لتونس ـ الثلاثي الاول 2016 ـ ان المبادلات التجارية للشركات غير المقيمة ليس لها تأثير مباشر على الاحتياطي من العملة باعتبار ان قانون الصرف يسمح لها بعدم استرجاع مداخيل صادراتها الى تونس بما يعني ان ميزان المدفوعات والاحتياطي من العملة يتأثران بالمبادلات التجارية للشركات المقيمة فقط.
ومن هذا المنطلق فان الحديث عن عجز للميزان التجاري مستند الى احتساب المبادلات التجارية للشركات المقيمة والشركات غير المقيمة لا يعكس حقيقة العجز الذي يتجاوز بكثير 13 الف مليون دينار ليبلغ حسب تعريف وثيقة البنك المركزي التونسي 21 ألف مليون دينار، مستوى يفترض تحركا تاريخيا من السلطة التنفيذية ويحجم العجز الحقيقي على غرار ما قامت به عديد البلدان التي مرّت بمثل هذا العجز حيث كانت صارمة في تحديد قائمة للمواد التي وجب ترشيد توريدها في اتجاه التقليص منها أو منعها ظرفيا.
ورغم عمليات التنبيه الى خطورة الوضع من قبل البنك المركزي حيث أن وصف محافظ البنك المركزي مستوى العجز التجاري بالتاريخي هو الثاني من نوعه بعد التنبيه الذي تقدم به في مجلس نواب الشعب يوم 16 ماي 2017، رغم ذلك فإنّ وزارة التجارة ومنذ سنة 2012 لم تتحمل مسؤوليتها في اللجوء الى الآليات المنصوص عليها في احكام اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة من جهة، واحكام اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لسنة 1995 واتفاقيات التبادل الحر مع عدد من البلدان من جهة أخرى لنتساءل عن أسباب هذا الصمت الذي يهدد أمننا الاقتصادي وأمننا المالي وأمننا القومي بصفة عامة.
ورغم هذا الصمت المريب والذي لا نجد له أي تفسير في ظل الانزلاق المتواصل والتاريخي والاجرامي لقيمة الدينار التونسي رحبت بعض الاطراف بالبلاغ الصادر بتاريخ 10 أكتوبر 2017 عن البنك المركزي ووزارتي التجارة والمالية والديوانة والذي ضبط قائمة البضائع غير الضرورية أو التي لها مثيل مصنع محليا واخضاعها للترشيد عند التوريد من خلال آلية تمويل الواردات، ومن بين هذه البضائع نجد الملابس الجاهزة باعتبار حجم الاضرار التي لحقت بقطاع الملابس الجاهزة والجلود والأحذية والتي تسببت في اغلاق عديد وحدات الانتاج وتسريح عدد هام من العاملين والعاملات بما دفع جامعة النسيج والملابس الجاهزة الى الانسحاب من الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية باعتبار تنصل الاتحاد من تحمل مسؤوليته في حماية الصناعيين في المجال.
ورغم ضعف هذا الإجراء مقارنة بحجم عجز الميزان التجاري من جهة، ومقارنة بالإجراءات الصارمة المسموح بها من جهة اخرى، فوجئ صناعيو النسيج بحذف منتوجات الملابس الجاهزة من القائمة ليعبروا في بلاغ صادر عن الجامعة التونسية للنسيج والملابس بتاريخ 7 نوفمبر 2017 عن استغرابهم من قرار وزارة التجارة مطالبين هذه الأخيرة بمراجعة قرارها.
ما يلفت النظر في هذا السياق هذه المرونة التي تعاطت بها وزارة التجارة في ملف خطير يهدد الاستقرار المالي للبلاد بحذفها من قائمة ضبطتها مصالحها الادارية بالتعاون مع وزارة المالية والديوانة والبنك المركزي التونسي، ولئن تعلق الأمر بقطاع في قائمة تضم اكثر من 200 منتوج، فان ذلك لا يبرر ما أقدمت عليه وزارة التجارة في ظل الصعوبات التي يواجهها قطاع الملابس الجاهزة بسبب تحرير التوريد عبر عديد الآليات مثل «الفرانشيز».
ان حذف وزارة التجارة للملابس الجاهزة من القائمة يكشف بوضوح قوة لوبي توريد الملابس الجاهزة في بلادنا، لوبي يبحث عن الربح السريع على حساب الصناعيين الذين انخرطوا في انقاذ البلاد، وانقاذ النسيج الصناعي من التوريد المنظم والعشوائي وفي توفير مواطن الشغل الا انهم لم يجدوا المنظمة التي تحميهم وتدافع عن حقوقهم من جهة، كما انهم لم يجدوا في الحكومة من يؤمن لهم الحد الأدنى من المنافسة في السوق المحلية.
اننا نقف اليوم عند حقيقة مرّة وهي ان اللوبيات في عديد المجالات قد حاصرت كل مراكز الحكم في البلاد من القصبة الى باردو وقرطاج، وان هذه اللوبيات هي داخلية وخارجية تحركها شركات عالمية تختفي وراء مؤسسات مالية اوروبية ودولية.
ان المستهدف من مثل هذه الممارسات هو الاقتصاد الوطني والشعب التونسي، وفي ظل صمت الاحزاب، فاننا لا ننتظر منها ان تبادر بوضع مخططات انقاذ ولكن ننتظر من قواعدها التحرك خاصة في ظل القطيعة التي اصبحت بارزة لدى بعض الاحزاب، بين هذه القواعد وقيادييها، لانها الوحيدة اليوم القادرة على تغيير موازين القوى في البلاد.