بإرادة الحكومة...الأسعار تفلت نهائيا عن السيطرة!

 

 

بقلم: جنات بن عبد الله
في انتظار نشر المعهد الوطني للاحصاء لنسبة نمو الناتج المحلي الاجمالي للثلاثي الاول من السنة الحالية، قفزت نسبة التضخم لشهر مارس الماضي الى مستوى ٪7.6 مقابل ٪7.1 تم تسجيلها في شهر فيفري و٪6.9 في شهر جانفي 2018.
فعلى امتداد ثلاثة اشهر متتالية عرفت نسبة التضخم نسقا تصاعديا بمعدلات مرتفعة وذلك رغم التحرك الذي وصف بالاستباقي للبنك المركزي والذي رفع فيه نسبة الفائدة المديرية للبنك المركزي بـ75 نقطة أساسية وذلك لاحتواء ارتفاع الاسعار من خلال الضغط على الطلب الداخلي بشقيه الاستهلاك والاستثمار.
ففي ظل هذا النسق التصاعدي لارتفاع نسبة التضخم والذي لا يعود الى أسباب نقدية بل الى السياسات الاقتصادية والتجارية، كان ينتظر من الحكومة التحرك في اتجاه الضغط على الاسعار كاحد اولوياتها التي تعهدت بها في وثيقة قرطاج1 وذلك من خلال استهداف الاسباب الحقيقية لارتفاع الاسعار.
ورغم هذا الالتزام فضلت حكومة الشاهد التخلي عن مسؤوليتها لفائدة البنك المركزي الذي ومن خلال الترفيع في نسبة الفائدة المديرية لن ينجح في احتواء التضخم باعتبار عدم توفر الشروط الضرورية لضمان نجاعة تطبيق السياسة النقدية، وهي شروط غير متوفرة في الاقتصاد الوطني الذي ينشط نصفه تقريبا خارج الاطار المنظم بما يعني ان البنك المركزي لا يسيطر الا على جزء من الكتلة النقدية المتداولة في الاقتصاد الوطني.
في ذات السياق فان الترفيع في نسبة الفائدة المديرية للبنك المركزي ولئن ستحد من الاقبال على قروض الاستهلاك كآلية للحد من الطلب على الاستهلاك، فان تأثيره على منظومة الانتاج ستكون عكسية لاعتبارين اثنين:
ـ الاعتبار الاول يتعلق بانعدام السيولة لدى المؤسسات الاقتصادية في جميع المجالات والتي تفرض اللجوء الى الاقتراض قصير المدى بكلفة مرتفعة بما يؤدي الى ارتفاع كلفة الانتاج والتي تنعكس على الاسعار عند الاستهلاك.
ـ الاعتبار الثاني يتعلق بهشاشة سلسلة الانتاج والتي تقوم على توريد المواد الاولية ونصف المصنعة والتجهيزات. ومع انزلاق الدينار التونسي والحاجة الى التمويل البنكي، تدخل كلفة الانتاج في متاهات الارتفاع التي يصعب السيطرة عليها لتنعكس في الاخير على الاسعار النهائية.
ومن هذا المنطلق وعلى ضوء تطور نسبة التضخم بعد ثلاثة اشهر على قرار البنك المركزي المتعلق بالترفيع في نسبة الفائدة الرئيسية تتضح محدودية السياسة النقدية في احتواء التضخم الذي شمل كل المواد المكونة لقفة المواطن التونسي دون استثناء.
ان المتتبع لمحتويات قفة المواطن التونسي وتطور اسعارها كما قدمه المعهد الوطني للاحصاء، يكتشف ان هذا الارتفاع المتواصل تعود جذوره الى الخيارات الاقتصادية والتوجهات التي انخرطت فيها بلادنا قبل الثورة وثبتتها الحكومات المتعاقبة بعد الثورة بما في ذلك حكومة الوحدة الوطنية التي جاءت لانقاذ الاقتصاد الوطني والتحكم في التوازنات الداخلية والخارجية والتحكم في الاسعار وذلك بناء على وثيقة قرطاج التي كشفت المؤشرات المسجلة عدم قدرتها على تحقيق الاهداف التي تم وضعها والتسويق لها من قبل حكومة الشاهد.
وحسب المعهد الوطني للاحصاء، فقد سجلت مجموعة النقل اكبر ارتفاع في الاسعار من مارس 2017 الى مارس 2018 وذلك بنسبة ٪10 بعد مجموعة التبغ والمشروبات الكحولية التي سجلت ارتفاعا بنسبة ٪12.7 خلال نفس الفترة. وتستحوذ مجموعة التغذية على ٪12 من ميزانية الاسرة التونسية وتأتي في المرتبة الثالثة بعد مجموعة التغذية والمشروبات بنسبة ٪28 والسكن والطاقة المنزلية التي تستحوذ على ٪17 من نفقات الأسرة.
وبالرجوع الى تفاصيل مجموعة التغذية والمشروبات فقد سجلت أسعار الغلال الطازجة أكبر ارتفاع بنسبة ٪24 خلال الفترة الفاصلة بين مارس 2017 ومارس 2018 لنجد في المرتبة الثانية الفواكه الجافة بنسبة ٪18.9 فلحم البقر بنسبة ٪17.1 والزيوت الغذائية بنسبة ٪14.2 والدواجن بنسبة ٪10.9 ومشتقات الحبوب بنسبة ٪9.3.
واذا ما استثنينا الفواكه الجافة من مجموعة التغذية والمشروبات والتي يمكن اعتبارها موادا غير أساسية بالدرجة الاولى يتضح ان ارتفاع الاسعار يعود الى اسباب عدة مثل عدم تنظيم مسالك التوزيع وتراجع الانتاج وارتفاع تكاليف الانتاج مثل البذور والاسمدة والاعلاف التي اضحت كلها موردة من قبل القطاع الخاص.
مثل هذه الاسباب تبقي مرتبطة بالسياسات الاقتصادية والخيارات الاقتصادية التي فتحت الابواب امام التوريد المنظم والعشوائي بما دمر مقومات التحكم في سلسلة قيم الانتاج، سياسات تعمل هذه الحكومة على مزيد تكريسها عوض العمل على معالجتها والحد منها من خلال اجراءات وقائية حمائية ظرفية.
ـ وامام رفض هذه الحكومة اقرار اجراءات لتدعيم منظومة الانتاج وحمايتها، وتوفير التمويل اللازم بكلفة تنافسية من خلال نسبة فائدة تنافسية،
ـ وانطلاقا مما صدر عن صندوق النقد الدولي بخصوص الترفيع في اسعار المحروقات كل ثلاثة أشهر والتزمت به حكومة الشاهد،
ـ وانطلاقا من علاقة اسعار المحروقات بكلفة الإنتاج،
ـ وانطلاقا من ان اسباب ارتفاع الاسعار ليست نقدية بما يعني محدودية تأثير الترفيع في نسبة الفائدة المديرية على التحكم في ارتفاع الأسعار،
يتضح ان ملف التحكم في الاسعار قد خرج عن سيطرة الحكومة، وذلك بارادة منها، بما يؤشر الى اشتعال الاسعار الى موفى هذه السنة

تعليقات الفيسبوك