العالية : تاريخ وآثار وحنين

الثلاثاء, أفريل 4, 2017 - 11:30

 صدر عن مطبعة شعلان، كتاب العالية: تاريخ وآثار وحنين، من تأليف الطاهر البليدي من أصيلي العالية من ولاية بنزرت. ويقع الكتاب في 185 صفحة من الحجم المتوسط ، ويتضمن توطئة وعدد من العناوين. موقع العالية يعرف الكاتب موقع العالية بأنها تقع على جبل خفيض يعرف لدى سكان العالية بدير الجبل، وكان يعرف لدى الأجداد بجبل الطواحين كما هو لدى ارشيف إدارة المناجم، على ارتفاع 295 م من مستوى سطح البحر. العالية الأندلسية يعود أصول سكان العالية إلى الموريسكيين الذين تم طردهم من قبل الملك الاسباني فيليب الثالث والذي طرد كل من ثبت بقاءه على الإسلام وإن تظاهر بالنصرانية. وأول من سكن العالية من المورسكيين 12 أسرة قدمت من كاتالونا ببلاد الأندلس، وهو ما تثبته ألقابهم مثل خنيسرو، ومادور، وشويكا، وكشك، وقومس، وسيغا، وقرندل، وكانسخلي، وكعفصي، وهريرة، وشوريا، واشرين. وقد بقيت بعض الألقاب أندلسية في حين تحولت أخرى إلى أسماء عربية مثل الحبيب، وبن موسى، وبن عيسى، وبن حسين، وبن سليمان، وبن الشيخ، نسبة إلى رئيس الفرع أو نسبة إلى مهنته كالنجار والإمام ومنها ما انقرض مثل الكعفصي أو انتقلت إلى منطقة أخرى ذات صلة بالأولى التحقت بها حاملة اسم مهجر ثان بتونس كعائلة الزغواني أو البنزرتي أو الرفرافي وغير ذلك. الاهتمام بالزراعة يفرد الكاتب أكثر من 60 صفحة من الكتاب للحديث عن الحياة اليومية في العالية تضمنت تاريخ الجهة التي تعود للعهد الروماني وتحديدا إلى 204 قبل الميلاد. كما تضمنت لمحات عن العالية في القرنين 18 و 19، قبل أن يتحدث الكاتب عن أهم الأنشطة الاقتصادية في العالية ومدى اهتمام المورسكيين . وإلى جانب حذق أهالي العالية للفلاحة السقوية والبعلية والعناية بالغروس كانت لهم لكل نوع من الأشجار شتلات، فالتوت أسود وأبيض وخمري وحتى في النوع الواحد تشتهر شتلات بعينها. وحتى في جنائن المنازل وعلى السطوح وحافات النوافذ والشرفات مظاهر من حب أهالي العالية للنباتات. العادات والتقاليد يحرص أهالي العالية كل الحرص كما يذكر الكاتب على إعداد العولة وخزنها ولا يهنأ لرئيس العائلة ولا لزوجته عيش ما لم يتم إعداد العولة وتكون جميع الجرار والمخفيات والخوابي وحتى الجفان ملئت بكل حاجيات العائلة من الأغذية من ملثوث وبرغل ومحمص وحتى نواصر إلى جانب الفول والحمص الجاف والطماطم التي كانوا يقصونها شرائح ويملحونها ثم تجفف بأشعة الشمس . وتشتهر العالية بزيتونها حيث لأهالي العالية اهتمام كبير بموسم جني الزيتون إذ يصيب الجميع الخير المعم سواء كانوا فلاحين أو عمال موسميين، ولا سيما النساء والأطفال حيث يكسب الجميع النقود من جني الزيتون. وتزدهر صناعات أخرى كالزلابية والحلوى التي يطوف بها الباعة على غابات الزيتون في موسم الجني. ورغم أن المادة المائية في العالية قريبة نسبيا من سطح الأرض إلا أن الأهالي لهم تقاليد راسخة في استغلال المياه، إذ تكثر المواجل لجمع مياه الأمطار، وكذلك إقامة الأحواض وحفر الآبار وإقامة ماء السبيل سواء للاستفادة منه بشكل جماعي أو لعابري السبيل وهذه أصل التسمية التي لم يدركها الكثيرون بمن فيهم الكاتب . ومن التقاليد الصناعية في العالية صناعة خشب الزيتون ومن ذلك التحف وقوائم الفؤوس والرفوش . وصناعة الحلفاء والجريد وسعف النخيل، وصناعة الغرابيل وصفائح الخيول والأحذية وإصلاحها وغيرها من المهن والصناعات، والحمامات البخارية الفريدة الموجودة حتى اليوم . ويقدم الكاتب ذلك بأسلوب أدبي ممشوق وراق، وإسهاب يخيل إليك وأنت تقرأ الكتاب أنك ترى ذلك رأي العين، ويتحدث الكاتب عن السوق الأسبوعية التي تستقطب سكان الريف الذين يهرعون إليها كل يوم اثنين. ويفرد الكاتب صفحات عن الأنشطة الاقتصادية لنساء العالية كصناعة الصوف . أهم معالم العالية التاريخية عندما يتحدث الكتاب عن التاريخ تكون المساجد أول من يحضر في الأذهان والوجدان والعيان ففي العالية عدد من المساجد التاريخية كالجامع العتيق الذي أسسه المرحلون من الأندلس سنة 1016 للهجرة 1607 ميلادية وهو ما تؤكده اللوحة المثبتة فوق محراب صحن الجامع بناه بناءون يحملون ألقابا أندلسية غير عربية مثل مادور وكلسخلي وغيرهما. وتوجد بالعالية مساكن تاريخية يطلق عليها الدور العلوية والتي تحتفظ بالطابع الأندلسي، وغرفها متجاورة تقابل بعضها بعضا، يتوسطها صحن الدار، ويقع تقسيم وظائفها بأشكال مختلفة. ومن الآثار التاريخية الدواميس مفرد داموس وهو حفرة تحت الأرض تبنى وتكون مكانا رائعا للجلوس والرحي فهي دافئة شتاءا وباردة صيفا. كما تحدث الكاتب عن الزوايا والطرق الصوفية والكتاتيب . الاحتفالات تطرق الكاتب إلى النوادي الثقافية التي لا تقف عند الأماكن التي تحمل هذا الاسم، وإنما تشمل في العالية الحوانيت التي تدار فيها النقاشات المختلفة ويتم فيها إحياء المناسبات المتعددة. وما يطلق عليه الكاتب بالتراث الرياضي كألعاب الحصى الحيار والخمس كعيبات وبيوت الحليب والخربقة ولعبة السلطان والوزير. وللبنات لعبهن مثل القفز على الحبال ولعبة الجيستا ولعبة العروسة وغيرها. ويحتفل أهل العالية بالمناسبات الدينية كالعيدين ورأس العام الهجري وهو مناسبة لتخضيب النساء أيديهن بالحناء ويطبخ قديد رأس خروف العيد أو لحم العيد كما تطبخ الملوخية بطريقة خاصة . وتحتفل العائلة بالمولد بطرق خاصة كما هو الحال مع ليلة القدر وعاشوراء . ونجد في الكتاب صفحات عن تقاليد الزواج حيث تبنى المساكن منذ نعومة أظفار الطفل الذي سيكون زوجا ورب أسرة وتختلف تقاليد الزفاف في العالية عن الكثير من التقاليد في البلاد التونسية بينما لا تختلف كثيرا تقاليد الختان في حين تحتفل العالية بثقب أذن الفتاة . خاتمة ختم المؤلف كتابه بالحديث عن دور العالية في النضال الوطني ودخول عدد من أبنائها إلى منظومة التعليم الزيتوني، ثم ما تم في العالية من تطورات ربطها بالأوضاع الوطنية منها ما كان نتيجة فاجعة أو كارثة حلت بأحد الأهالي ومن ذلك مركز رعاية الأم والطفل الذي أسس بعد وفاة إمرأة لم تلق العناية الطبية المطلوبة.

نوع: 
المناطق: 
الأقسام: 

تعليقات الفيسبوك