الانتخابات البلدية.. هل تنجح في اختبار 25 مارس 2018

آثار الفشل المتكرر في اختيار رئيس للهيئة العليا المستقلة للإنتخابات قلق الكثير من الفاعلين السياسيين والمراقبين،على مسار الانتقال الديمقراطي، الذي تمثل فيه السلطة المحلية أحد أعمدة الارتكاز لسلطة الشعب، وأهم مقومات الأمم الحرة. وهي أول انتخابات ستجرى تواكبها آمال حقيقية في أن تكون حرة ونزيهة وشفافة، وهي الصفات التي كانت مفقودة في الانتخابات التي جرت في تونس قبل الثورة، سواء كانت بلدية وآخرها في سنة 2010، أو برلمانية ورئاسية وهي أكثر من 30 عملية انتخابية ملابساتها وطرق إجرائها موثقة لدى هيئة الحقيقة والكرامة، وعليها شهود ممن أعدوها وأشرفوا عليها.

 وفي هذه المعالجة لموضوع الانتخابات البلدية، محاولة لتعقب المسار المتعثر للانتخابات، وبالتالي لمسار الانتقال الديمقراطي، وقوى الدفع للأمام بالمسار، والأخرى المتمترسة وراء مطالب سن قانون الجماعات المحلية، والتي يقول آخرون بأن ذلك مجرد حصان طراودة، لتأجيل الإنتخابات لما بعد 2019 أي بعد الإنتخابات البرلمانية والرئاسية.

مواعيد مؤجلة

كان من المقرر إجراء الانتخابات البلدية في 30 أكتوبر 2016 ثم أجلت إلى 26 مارس 2017 ثم إلى 17 ديسمبر من نفس العام، ثم الإتفاق على إجرائها في 25 مارس 2018 . ولا يبدو الأجل المذكور نهائيا إذ أن "جهود" تحقيق المواعيد السابقة قد فشلت جميعها في الامتحان وتم تجاوزها، ولم تعالج الأسباب التي دفعت لتكرار تأجيلها، أو العراقيل التي وضعت أمامها بالأحرى ، ومن ذلك عدم جاهزية أغلب الأحزاب، وتعلل البعض بعدم المصادقة على قانون الجماعات المحلية، ويعني "كل تقسيم إداري للسلطة، يكون تحت مستوى السلطة المركزية، ويتم فيه انتخاب صانعي القرار مباشرة، مثل المجلس البلدي، والمجلس الجهوي، أو بطريقة غير مباشرة كما يتم الأمر في مجالس الأقاليم" .. ثم عدم انتخاب رئيس للهيئة حتى الآن، وما إذا كان سيتغلب على هذه المسألة قريبا، علاوة على تعمد بعض الكتل النيابية التلاعب بالتصويت حتى لا يتم ذلك، كالغياب أو التصويت بأوراق بيضاء. وفي ظل هذا الوضع يبقى السؤال قائما هل ستتم الانتخابات البلدية كما هو مقرر لها باتفاق الجميع يوم 25 مارس 2018 ؟ أم أن العراقيل ستحافظ على زخمها ؟! والأسباب الفنية المحتج  بها على التأخير ستظل قائمة؟

سد الشغورات

مسألة الشغورات داخل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات من العراقيل التي تعلل بها رئيس الجمهورية لعدم دعوة الناخبين للمشاركة في الانتخابات، وذلك بعد استقالة رئيسها السابق شفيق صرصار يوم 17 ماي 2017 . حيث لم يتوافق مجلس نواب الشعب حتى الآن  حول انتخاب رئيس جديد للهيئة العليا المستقلة للانتخابات حيث لم تسفر عملية التصويت بمجلس نواب الشعب  نهاية سبتمبر الماضي عن انتخاب رئيس جديد للهيئة ،إذ حصل المرشح نبيل بفون على 73 صوتا ومنافسه أنيس الجربوعي على 68 صوتا وكان المطلوب أن يحصل الفائز على 109 أصوات وكانت النتائج على النحو التالي:

عدد الأصوات المصرح بها 149 صوتا

عدد الأوراق البيضاء: 6 أوراق

عدد الأوراق الملغاة: ورقتان

وفي 30 أكتوبر الماضي فشل مجلس نواب الشعب مجددا وللمرة الرابعة على التوالي في انتخاب رئيس جديد للهيئة العليا المستقلة للانتخابات بعد تعذر حصول أي من المترشحين على عدد الأصوات المطلوب وهو 109 أصوات من أصل 217 من مقاعد البرلمان، حيث حصل محمد التليلي منصري على 100 صوت وحصلت نجلى ابراهيم على 51 صوتا، وكان عدد الأوراق البيضاء مرتفعا مقارنة بتصويت سبتمبر الماضي حيث بلغت 18 ورقة بيضاء، وورقة واحدة ملغاة.  وقد شكلت المحاولة الرابعة صدمة للكثيرين حيث جاءت قبل أشهر لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة من الموعد المحدد لإجراء الانتخابات ، ونحو 6 أشهر على استقالة شفيق صرصار من رئاسة الهيئة.

وإذا ما استمر الفشل فستكون هناك دعوة لتقديم الترشحات للمنصب وما يستغرقه ذلك من وقت، يخشى في حال تكرار سيناريو الفشل أو الإفشال أن يؤثر على موعد إجراء الانتخابات في 25 مارس 2018. ويؤكد سيناريو الإفشال ما كشفه رئيس كتلة حزب حركة النهضة في مجلس نواب الشعب نور الدين البحيري الذي أفاد عقب التصويت بأن " نواب الحركة التزموا بالتوافقات التي تم التوصل إليها في السابق " وأن عدم انتخاب رئيس لهيئة الانتخابات يعود" لعدم التزام كتل أخرى بالتوافقات الحاصلة" في حين اعتبر النائب في كتلة نداء تونس عماد أولاد جبريل أن ما تم هو" نتاج التصويت باعتبار أن التوافق لا يمكن أن يحصل حول مرشح واحد وإلا أصبحت العملية صورية " لكن لا يمكن في الوقت نفسه وبنفس المنطق أن يسمى الاتفاق على شخصين أو أكثر توافقا طالما هناك ترشحات وعملية انتخابية بأتم المعنى ، فلا معنى لإطلاق اسم توافق على عملية انتخابية بحتة. بينما التوافق على مرشح واحد بين كتلتين أو أكثر يوافق المعنى لغة واصطلاحا. وفضل أولاد جبريل توافق داخل هيئة الانتخابات على مرشح واحد للمصادقة عليه داخل مجلس نواب الشعب. وكانت قيادات من النداء منهم رئيس كتلة الحزب بالبرلمان سفيان طوبال قد عبروا عن امتعاضهم من تحديد هيئة الانتخابات يوم 17 ديسمبر موعدا لإجراء الإنتخابات البلدية وقال" لم يستشيروا أحدا". بل أن رئيس مجلس نواب الشعب محمدالناصر قد أدلى بتصريحات يوم 6 سبتمبر 2017 يؤكد فيها أن الشروط التي تخول عقد دورة استثنائية للمجلس لسد الشغور في تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات لم يتم استيفاؤها. وفهمت بعض الأحزاب تلك التصريحات على أنها إشارة لإمكانية تأجيل الإنتخابات، ولكن إلى متى؟

 لقد تم الحديث عن تنسيق بين حزب النداء وأحزاب أخرى للسعي لتأجيل الانتخابات إلى يوم 25 مارس 2018 وهو موعد تحت الاختبار هو الآخر حتى الآن . إذا وضعنا في الاعتبار تصريحات جوهر بن مبارك رئيس منظمة" دستورنا" على قناة حنبعل، والتي أشار فيها إلى رغبة البعض في تأجيل الانتخابات البلدية إلى ما بعد 2019 .

وكانت 8 أحزاب قد طالبت بتأجيل الانتخابات قبل تحديد الموعد "الأخير" وهي "حركة مشروع تونس" الذي يترأسه محسن مرزوق، و" تونس أولا" الذي يقوده رضا بلحاج، و"آفاق تونس" الذي يتزعمه ياسين ابراهيم، والحزب الجمهوري، الذي يرأسه عصام الشابي، وحزب الوطن، الذي أعلنه محمد جغام بعد انفصاله عن حزب المبادرة بقيادة كمال مرجان، آخر وزير للخارجية قبل الثورة.علاوة على حزب"البديل التونسي" وحزب العمل الوطني الديمقراطي، وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي

الحزب أم الوطن ؟

 تشير التسريبات القادمة من قصر قرطاج أن حزب نداء تونس ، كغيره من الأحزاب التي أعلنت في السابق رغبتها في تأجيل الانتخابات بتعلات كثيرة كعدم المصادقة على مجلة الجماعات المحلية حتى الآن، رغم أن ذلك لا يمثل عائقا قانونيا لإجرائها، تشير التسريبات إلى أن" النداء" ليس جاهزا للانتخابات ولم يتم تحديد مرشحيه في البلديات ال 350 حيث لم يتجاوز ال 120 منها وأن لديه مشكلة في التناصف ، وفي من يتم ترشيحه لهذه الانتخابات .. وهي نفس المشاكل التي تعاني منها الأحزاب التي يقال أنها تخشى من أن تكشف الانتخابات حجمها الحقيقي، لا سيما وأنها تأتي كبوابة للانتخابات البرلمانية والرئاسية في 2019 ونتائجها ستكون طبق الأصل لتلك الانتخابات..وهكذا تعطى الأولوية للمصلحة الحزبية وفق محللين على المصلحة الوطنية حيث تهدف الانتخابات البلدية لاختيار رؤساء وأعضاء المجالس البلدية وعددها 350 بلدية .. وينتظر التونسيون منذ الإعلان عن الدستور في جانفي 2014 استكمال المسار الانتقالي الديمقراطي، وتحقيق أوسع مشاركة شعبية عبر الحكم المحلي، حيث ينتخبون للرئاسة شخصا واحدا وللبرلمان المكون من 217 عضوا، يصوتون بدورهم على حكومة لن تتجاوز الثلاثين وزيرا فيما لو أرادوا لها أن تكون الأكبر. في حين أن الانتخابات المحلية التي يترقبها التونسيون منذ  سنوات  ستمكن أكثر من 8 آلاف منتخب من ممارسة الحكم المحلي فعليا وليس عبر نواب كما هو حال مجلس نواب الشعب. ولذلك تكتسي الانتخابات المحلية أهمية قصوى لكونها المعبر الأكثر عن دولة الشعب وتقرير المصير على نفس الأرض ونفس السكان، وهو أمر بدا غريبا لدى البعض، ومرعبا لدى البعض الآخر، وفق بعض القراءات، وخطوة غير محسوبة العواقب سياسيا، كما أفصح آخرون، وذلك نظرا للرسائل التي ستبعث بها النتائج للداخل والخارج، وانعكاساتها على الانتخابات العامة في 2019 . وهو ما يفسر جانبا هاما من دعوات البعض للتأجيل الذي يستبطن ما هو أكثر من ذلك إلى حد الحنين للاستبداد والحكم المطلق.

 ويعد إجراء الانتخابات من عدمها مؤشرا على تقدم مسار الانتقال الديمقراطي في تونس من عدمه، ويبعث بعدة رسائل إلى الداخل والخارج توحي بأن البلاد في طريق المعافاة أو الفشل التام ، فإجراء الانتخابات مؤشر على تعزز السلم الأهلي وسعي التونسيين للتنظم والانضمام إلى الأمم الحرة والخروج نهائيا من الحدود الفاصلة بين الاستبداد والديكتاتورية التي تراوح فيها الآن ، وهي دعوة للمستثمرين بأن تونس دخلت مرحلة الاستقرار التام أو على قاب قوسين أو أدنى منه. وإشعار المواطنين قبل ذلك كله بأنهم يحكمون بلادهم عبر أوسع تمثيل لهم على الإطلاق. ولطالما أعربت الهيئة عن استعدادها لإجراء الانتخابات في المواعيد السابقة إذا قام مجلس نواب الشعب بسد الشغورات داخل الهيئة بما في ذلك اختيار رئيسا لها، ومن ثم إصدار رئيس الجمهورية الأمر المتعلق بدعوة الناخبين للمشاركة في الانتخابات.

ولأهمية الانتخابات البلدية، ودورها في منظومة الانتقال الديمقراطي، وفي حل مشاكل البلديات العالقة، والمواطنين الذين يشتكون من قلة الخدمات البلدية بل انعدامها في بعض الأماكن والأحيان. أعربت العديد من الجمعيات والأحزاب والمنظمات عن استنكارها لتأخير الانتخابات والسعي لتكرار عمليات التأجيل داعية للفصل بين عدم استعدادات بعض الأحزاب للانتخابات وبين مواعيدها المحددة من قبل هيئة الانتخابات بالتشاور مع الأحزاب والمنظمات الوطنية. وأعربت هذه الأحزاب والمنظمات عن خشيتها من البحث باستمرار عن الأعذار والسعي للتعطيل والبحث عن مواعيد جديدة غير التي قررت في وقت " لم تعد المصلحة الوطنية تتحمل بقاء البلديات على وضعها الحالي المضر بمصالح المواطنين الأساسية"

وكانت 4 جمعيات تونسية وهي " جمعية كلنا تونس" و" منظمة البوصلة" و الجمعية التونسية من أجل نزاهة وديمقراطية الانتخابات"عتيد" و"الجمعية التونسية للحوكمة المحلية" قد عبرت في بيان مشترك عن استنكارها لتأجيل الانتخابات إلى 25 مارس 2018 فضلا عن ترحيلها إلى موعد آخر. مؤكدة على أن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات هي الطرف الوحيد المخول له إعداد الرزنامة الانتخابية وتنفيذها وفق ما نص عليه الفصل 3 للقانون المنظم للهيئة العليا المستقلة للانتخابات وذلك بكل استقلالية عن الضغوطات السياسية.

وشددت الجمعيات المذكورة في بيانها على ضرورة المصادقة على مجلة الجماعات المحلية قبل موفى العام الجاري 2017 داعية جميع الأطراف المعنية والمتداخلة في العملية الانتخابية إلى احترام الرزنامة المقترحة من قبل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وإلى احترام تاريخ 25 مارس 2018 كتاريخ يوم الاقتراع. وأنه من الأجدر برمجة الانتخابات الجهوية بالتزامن مع الانتخابات البلدية مما من شأنه أن يؤسس لسلطة فعلية والتقدم بشوط كبير في مسار اللامركزية وتطبيق الباب السابع من الدستور.

حسابات سياسية

يخشى مراقبون من اعتماد سياسة التأجيل المتواصل لانتخاب رئيس لهيئة الانتخابات، وربما إحداث مشاكل أخرى داخل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، أو العودة على ضرب قانون الجماعات المحلية، دون السعي للتصويت الفعلي عليه. ولا شك بأن حزب النداء، لا يبد أسبابا موضوعية لعدم التوافق مع حزب النهضة على مرشح واحد، وقد سبق وأن توافقوا على كثير من الأشياء بما في ذلك دعم مرشح النداء في الانتخابات التكميلية بألمانيا. وهناك من يشير إلى أن أزمة انتخاب رئيس لهيئة الانتخابات يكشف عن أن أزمة الهيئة الداخلية ليست بعيدة عن التدخلات من خارجها. وأن انتخابات 2019 تلقي بظلالها على المشهد ككل. لا سيما وأن رئيس هيئة الانتخابات القادم سيشرف على 3 مواعيد انتخابية أساسية، البلديات في 2018 والبرلمانية والرئاسية في 2019 وقد تتبدل الخارطة السياسية كليا وبالتالي الأحجام الحزبية وكذلك الأحلاف.. وهو سيناريو مرعب للبعض، مما يجعله محافظا على الوضع الحالي  ليبقى في المقدمة بكل الوسائل والطرق. 

عبدالباقي خليفة