الأزمة الخليجة او الحصاد المر

 

620 مليار دولار كانت خسائر دول الخليج في حرب احتلال الكويت، سنة 1991. وأكثر من ترليون دولار هي خسائر أطول حرب شهدتها المنطقة بين العراق وإيران بين 1980 و1988،علاوة على مقتل أكثر من مليون إنسان يعيشون في المنطقة في تلك الحرب المجنونة، فما هي الخسائر المتوقعة في الأزمة  الخليجية المتواصلة بين دولة قطر والإمارات والمملكة العربية السعودية؟

تكلفة باهضة

 مما لا شك فيه أن الخسائر تطال الجميع، وقد لوحظ أن كل طرف يتحدث عن خسائر الطرف الآخر وهو مشهد سريالي بامتياز. فقد تراجعت بورصات هذه الدول في اليوم التالي لإعلان المقاطعة، وهناك حديث عن تحسن هذه المؤشرات كما أعلن في الدوحة. وتم تعويض السلع القادمة من السعودية ودولة الإمارات بأخرى من إيران وتركيا ودول ثانية. حيث تستورد قطر 90 في المائة من حاجياتها الغذائية من الخارج. ولم تقم حتى الآن بردود أفعال مماثلة كطرد الخليجيين المقيمين فيها أو الطلب من البعثات الدبلوماسية مغادرة أراضيها، ولم تقدم قطر حتى اللحظة على قطع الغاز عن دبي والذي يغطي أكثر من 40 في المائة من احتياجات دولة الإمارات. فبدون صادرات قطر من الغاز إلى الإمارات سيحل الظلام على ناطحات السحاب الإماراتية، وسيقع على عاتقها في حال قطع الإمداد توفير مصدر ثان لوارداتها من الغاز والذي سيكون أكبر كلفة من الإمدادات القطرية التي تبلغ ملياري متر مكعب من الغاز يوميا. ويمكن لقطر تحويل إنتاجها من الغاز إلى دول أخرى كاليابان والصين والهند وشبكات التزويد لهذه الدول جاهزة.

وتملك السعودية والإمارات وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية 85 في المائة من الاستثمارات الأجنبية في قطر وفي حال سحبت السعودية والإمارات استثماراتها من قطر فستتكبد خسائر فادحة وستعوضهما الشركات التركية والتي تملك ما قيمته 13،7 مليار دولار من مجموع المشروعات التي تقام هناك ، وكانت تركيا قد أعربت عن مشاركة شركاتها بفعالية في كاس العالم 2022.

وستتكبد السعودية ودولة الإمارات خسائر فادحة كماهو الحال في قطر، فالسعودية والإمارات يمثلان منطقة عبور للسلع إلى دولة قطر وهي  تزيد عن مليار دولار بين خضر ولحوم . ويمثل حجم التبادل التجاري بين قطر ودول مجلس التعاون الخليجي نحو 12 في المائة من إجمالي حجم التبادل التجاري لقطر مع الدول العربية ، كما أن نحو 69 في المائة من التبادل التجاري بين قطر والدول العربية تأتي من الإمارات والسعودية. ورغم حجم السلع الوافدة على قطر من الممكلة العربية السعودية كبيرا إلا أنه لا يمثل ثقلا استراتيجيا ، إذ أن قطر تستورد ثلاثة أضعاف إجمالي ما تصدره السعودية، فإذا كانت الصادرات الإجمالية للمملكة سنة 2016 قد بلغت 1،709 مليار ريال سعودي فإن الواردات القطرية قد بلغت في نفس السنة 3،3 مليار ريال سعودي.

شر أريد بالخليج

بعد حرب العراق وإيران، وغزو الكويت، وتكلفة الحماية الخارجية للخليج الباهضة جدا، فضلا عن خطرها الوجودي على الخليج والمنطقة برمتها، هناك مساعي للفوضى العارمة في الخليج بعد النزيف والاستنزاف على كافة المستويات. فبعد هذه الحروب التي مست مسا وثيقا مباشرا المواطن الخليجي حتى في معاشه ومستوى رفاهيته ، يراد للخليج أن يتكبد خسائر قاصمة هذه المرة. فمما لا شك فيه أن شعوب دول الخليج تتأثر تأثرا مباشرا بما يجري حولها من صراعات وحروب وتناحر، في العراق وسوريا واليمن، وما يمنع انتقال العدوى إليهم هو الوضع الاقتصادي المريح نسبيا، والذي تأثر بالحروب والصراعات المعاصرة منذ نهاية القرن الماضي وحتى اليوم. ومما لا شك فيه أيضا أن الرأي العام الخليجي سيتغير في حال تغير الوضع الاقتصادي من الطفرة، إلى الاستقرار، ومن ثم إلى التدهور، فالقلاقل، وربما الثورة . وفي كل الحالات سيزداد التدخل الخارجي واستنزاف ثروات الخليج.

مقامرة وخيمة العواقب

لقد أثبتت التجربة التاريخية أن الحوار حول القضايا السياسية والاستجابة للمتطلبات المالية الإقليمية،{ تنمية، مساعدات، برامج إعادة تأهيل، تعويضات حتى لوكانت صعبة } أقل تكلفة من اللجوء للظهير الخارجي الأجنبي، الذي يستغل التوترات بعد صنعها، ويقتنص الفرص لسرقة ثروات الشعوب وإفقارها وإفنائها، وقد أعلن بطرق مختلفة أنه انتقل من { الاستنزاف إلى الإبادة }. وهو لا يعني طرفا بعينه، وإنما يعني الجميع وسياساته أكبر دليل على ذلك.

الخسارة الكبرى

إن وضع الحركات والشخصيات الاسلامية على لائحة الارهاب  دون حجج يعرض السعودية لعملية عزل عن محيطها الإسلامي الصلب، لصالح أوهام ، فالمحيط الصلب هو دول الخليج قطر، والجماعات الإسلامية، والقبائل القوية، وحركة المقاومة الإسلامية حماس، وتركيا، وباكستان، والسودان، وكل هذه الأطراف تتعرض لمؤامرات لا تنته، حتى لا تتجمع مع بقية الطيف الإسلامي، والذي يتعرض جملة وتفصيلا لمحاولات تفتيته وتقسيمه ، من أجل تسهيل السيطرة عليه كليا، والسعودية في المقدمة.

وكانت هناك مساعي لم يكن آخرها مؤتمر غروزني الذي تم فيه استبعاد المملكة العربية السعودية من دائرة أهل السنة والجماعة، بمشاركة رئيسية من السيسي وحكام دولة الإمارات . وبحساب الربح والخسارة فإن جميع الأطراف خاسرة في هذا الصراع، من يحاصر، والمحاصر، ومن يقف في هذا الجانب أو ذاك ، ما عدا الأعداء والسماسرة الذين يطعمون من أيديهم وأفواههم. 

عبدالباقي خليفة

تعليقات الفيسبوك